أسرار مناسك الحج العظيمة
حوار بين عالم مسلم ومستشرق غربي
من ثنايا علوم العلامة الإنساني محمد أمين شيخو
المستشرق الغربي: أخي المسلم لقد أُعجبت كثيراً بالبحوث التي ناقشناها سابقاً حول تعدد الزوجات والطلاق والحجاب في الإسلام، ودُهشت بعدها بما بيّنت لي عن حقيقة رسولكم الكريم محمد بن عبد الله، وزاد إعجابي وتقديري عن الحكمة الإلهية الصاعقة التي أيدها الطب في عصره الحاضر العتيد لفائدة ذكر اسم الله تعالى على الذبائح وغيرها من روائع ما بينت لي من أحكام دينكم الإنساني الحنيف، ولكن هناك أموراً أخرى لا أفهمها وعلى رأسها موضوع الحج عندكم، فهلا حدثتني عن الحج والغاية التي شرعها تعالى لعباده من ذلك.
العالم المسلم: إن الغاية من الحج كالغاية من رمضان ألا وهي نيل المؤمن (التقوى)، قال تعالى مبيِّناً غاية الصيام: {يا أيَُّهَا الَّذين آمُنوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتَّقُون}.
فمن المؤمنين من يحصل عليها في رمضان ويزيدها في الحج لأن التقوى كالإيمان بازدياد مستمر وقد تجد الفرق شاسعاً بين مؤمن وبين مؤمن وبين تقي وتقي.
ومنهم من لا يحصل عليها في رمضان فيكون الحج مرحلة مكمِّلة لمن فاتته التقوى في رمضان، ومن لم ينل التقوى من صوم رمضان أو الحج فلا حقق الغاية لأنه لم يجد ويجتهد في كلتا المدرستين.
لقد بيِّن تعالى الغاية من الحج فقال: {الحجُ أشهرٌ معلوماتٌ فمن فرضَ فيهنَّ الحجَّ فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جِدالَ في الحجِّ وما تفعلوا من خيرٍ يعلمهُ الله وتزودوا فإنَّ خيرَ الزاد التقوى واتّقونٍِ يا أُولي الألبابِ}.
وقوله تعالى: {واذكروا الله في أيامٍ معدوداتٍ فمن تعجلّ في يومينِ فلا إثمَ عليه ومن تأخرَ فلا إثمَ عليه لمنِ اتقى واتقوا الله واعلموا أنكمْ إليه ُتحشرونَ}.
ونفهم من هذه الآية الكريمة بأن الذي حصل على شاهدة التقوى فلا إثم عليه إن تعجل أو تأخر في أيام التشريق عند رمي الجمار طالما أنه نال الغاية التي من أجلها ذهب.
المستشرق الغربي: طالما أن الإنسان المؤمن نال التقوى من صوم رمضان فما الفرق بين التقوى التي نالها في الحج عن تقوى رمضان؟ وما الفائدة من تلك التقوى؟
العالم المسلم: قد تجد الفرق شاسعاً بين مؤمن ومؤمن وبين تقي وتقي، فقد حثّ الله تعالى المؤمنين على الإيمان ومعنى ذلك أن يزيد المؤمنين إيمانهم عمقاً في أنفسهم فقال تعالى: {يا أيها الذين آمَنُوا آمِنُوا بالله ورسوله}.
وقال أيضاً جلّ شأنه: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} سورة الفتح (4).
والتقوى هي أعلى المراحل تبتدئ حينما ينتقل المؤمن من أعلى مراحل الإيمان إلى أول مراحل التقوى، وبمراحل التقوى العليا يتم الإسلام الكامل والاستسلام الكلي لله رب العالمين.
إذن بتقوى رمضان ينال المؤمن الاستنارة بنور الله، أما في الحج فيرى الحكمة الخفية وراء الأمور كلها فيغدوا عالماً حكيماً وفقيهاً في الدين.
المستشرق الغربي: لِمَ جعل الله الحج في مناطق شعساء وصحاري غبراء، كان الحاج قديماً يذوق آلام المشقات وأهوال المخاطر حتى قيل (تعذبنا عذاب الحرمين) لمَا يلاقي من المتاعب الجسدية، هذا من جهة ومن جهة ثانية لمَ كان المكان المختار للحج وادٍ لا ماء فيه ولا شجر بصحارٍ وجبال جرداء لا خضرة فيها ولا ماء، ولم يجعله الله في ُربى كربوة دمشق الفيحاء، أو جبال لبنان جنات نعيم الدنيا واخضرارها، أو في بلادٍ ساحرةٍ كسويسرة مثلاُ إلا في هذا المكان الموحش النائي عن العباد؟
العالم المسلم: إن بيت الله الحرام وضعَ كما أخبرنا تعالى بوادٍ غير ذي زرع، وفي مكان تحيط به الصحراء من جميع جهاته، ويضطر الحاج إلى قطع مسافات طويلة وسط صحراء تكاد تكون مقفرة من السكان إلا من بضع واحا ت متوضعة هنا وهناك، يتزود منها الحاج حاجته لتساعده على متابعة السفر اللهم إذا استثنينا هذا العصر الحضاري، إن الحاج الآن في طريق مقفرة، وكل شيء فيه يكاد يكون ساكناً إلا من فحيح الأفاعي وصرير الجنادب، وعواء الأوابد، وتعصف بين الحين والحين ظلل من الرمال تحبس الرؤيا وتكاد تسد مجاري التنفس والقافلة تستقبل نهاراًُ وتودع ليلاً وتودع ليلاُ لتستقبل نهاراُ.
ينطلق الحاج في رحلته وما هي إلا بضعة أيام حتى يتخلص الحاج من العمران ليستقبل الصحراء وجهاُ لوجه فالدنيا خلّفها وراء ظهره ولم يبقى أمامه ما يشغل نفسه إلا الذي هو قاصده.
إنها ذكريات تتناسب والغاية التي شدت إليها الرحال، وإنها ذكرى ليوم لا ريب فيه سوف تفارق فيه الحياة الدنيا، وتفارق الأهل والأحباب.
كذلك فإن مناظر الحيات والعقارب، وسماع أصواتها تذكر الحاج بالقبر، وما يلقى فيه من أمثال تلك المخلوقات، تلك المشاهدات سوف تترك في النفس إحساساً بعدم دوام الحياة وأن لا بد من يوم ينادي فيه المنادي ألا أيها الإنسان تهيأ للرحيل، فالأوان قد آن لمفارقة الأهل والمال والخلان، هذا الإحساس يدفع الحاج لكي يشمر عن ساعد الجد ويسعى في طلب الحق.
من هذا الوصف تبدو لنا الغاية سافرة من وضع البيت الحرام في مكان بعيد، وفي وادٍ غير ذي زرع، خالياُ من كل ما يشغل النفس من مفاتن الدنيا وزخرفها، لأن أعظم عقبة تحول بين الإنسان وربه، هي حب الدنيا وانشغاله بها عن الآخرة، فهي التي تسد السمع وتطمس على البصر وتجعل القلب غافلاً عن ذكر الله وهذه هي الحكمة من وضع البيت الحرام في جوف الصحراء وفي وادٍ غير ذي زرع.
المستشرق الغربي: في نسك الإحرام لديكم، ِلمَ يخلع الحاج ثيابه كلها ويرتدي ما يرتديه المغتسل بالحمام من مناشف وشراشف، فيبدو ذو مظهر غريب لا تجده في بلد آخر وزي عجيب، يكاد لا يرتديه أحد؟
العالم المسلم: قبل دخول الحجيج مكة بمسافة تقدّر بين مسير يومين وعشرة أيام يصادفهم نسك الإحرام، وفي هذا النسك يستبدل الحجاج ثيابهم المخيطة بثيابٍ غير مخيطة بعد أن يغتسلوا ويقصروا من شعورهم ويقلموا أظافرهم.
إن هذا المشهد يذكرنا حالاُ وبدون أدنى شك بحالة الميت قبل حمله إلى مقرَّه الأخير، إذ عندما يموت المسلم تخلع عنه الألبسة المخيطة ثم يُغسّل وُيلّبس أثواباُ غير مخيطة ثم يوضع في النعش ويحمل إلى المقبرة، كذلك الحال بعد أن يغتسل ويلبس الحاج ثوب الإحرام المشابه للكفن تحمله الراحلة إلى البيت الحرام، إنه إشعار يشعر النفس بخلع الدنيا ومناصبها والتخلي عن زينتها وبهرجها، وإلى جانب ذلك كله حينما يرى الإنسان نفسه وقد لبس البياض وتلفف بالإزار والرداء وأضحى حاسر الرأس مكشوفه تراه يذكر ساعة الموت تلك الساعة الرهيبة التي سيفارق فيها الدنيا فيجرد من الثياب ويغسل ويكفن بالبياض وهنالك وما أعظم ما في الموت من موعظة وذكرى تجد هذا الحاج قد زهد في الدنيا زهداًُ كلياًًًًًً ولم يبق له إلا أن يقبل على الله بوجهه فيتزود من دنياه لآخرته.
ويسير الركب إلى أرض الحرم وتعج هذه الأرض المقدسة بعشرات الآلاف من بني الإنسان جمعتهم على تنائي ديارهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم دعوة الله وكلمته فإذا بعضهم يموج في بعض وإذا هم بياض في بياض وكأنهم قد وقفوا بين يدي الله للحساب والسؤال والجواب في يوم المعاد، هنالك يذكر هذا الحاج ذكرى ثالثة ويعلم أنه سيقف في مثل هذا الموقف في يوم مجموع له الناس وأن الله سبحانه وتعالى هو الحكم العدل وكل امرئ بما كسب رهين.
وهنا يتحفز هذا الإنسان وقد أصبح هذا حاله إلى العمل المجدي ويشيح عن الدنيا بوجهه ويلتفت إلى الله تعالى بكليته ليؤدي مناسك وأعمالاً إذا هو أداها حق التأدية فقد ظفر بالثمرة المطلوبة من الحج وفاز فوزاُ عظيماُ.
المستشرق الغربي: لِمَ التضييق والتشديد على الإنسان بعدم السماح له بالصيد وحتى بحك رأسه والتقصير بلباسه والجدال فلا ضحك ولا مزاح ولا أحاديث ولا فكاهات؟ فإن حكَّ رأسه فعليه فدية ذبح أضحية يوزعها قبل إتمام منسكه؟
العالم المسلم: عندما يموت الإنسان لا يستطيع أن يحك جلده أو يقصر شعره أو يقلم أظافره كما لا يستطيع الرفث ولا الفسوق ولا الجدال.
وهذه المرحلة متممة للمرحلة التي سبقتها بلبس غير المخيط، ففي المرحلة السابقة إحساس وتذكر للموت، أما في الإحرام فتصبح ممارسة ذلك الإحساس عملياً، فالمحرم لا يجوز له الحك والتقصير والجدال ولا قتل الحيوانات أو صيدها، كذلك الميت فلا يستطيع دفع تلك الحيوانات عن نفسه ولا حك رأسه ولا التفكه بالكلام ولا المخيط من اللباس عندما يسجى في القبر، وفي حال مخالفة أحد هذه الأوامر يستوجب الفدو لكي لا يشعر الحاج بالخجل من ربه بسبب مخالفته أحد هذه المنهيات فيتحول قلب الحاج إلى الدنيا بدل القصد والتحول عن الدنيا إلى عظيمٍ جلَّ شأنه وبذلك يستطيع الحاج إكمال حجه فلا تفوته هذه الفرصة الثمينة.
المستشرق الغربي: ما الحكمة من الدوران حول حجر كبير لا يرى ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع (لا سمح الله أشبه بصنم كبير) بعد أن قضى رسولكم على الأصنام الصغيرة وبقي هذا الصنم الكبير؟
العالم المسلم: ماذا تقول! الكعبة صنم كبير! لا يا أخي، إن الطالب عندما ييمِّم وجهه شطر جامعته، ُتراه هل يذهب لرؤية المقاعد أو القاعات؟
وملاعب الجماعة ونواديها ومقاصفها ومطاعمها، أم يذهب لينهل العلوم والمعارف من أساتذة تلك الجامعات؟ أي أيقصد الحجر، أم البشر؟
أمر الله تعالى معلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالا تجاه شطر المسجد الحرام لتكون نفسه مقبلة عليه تعالى من ذلك المكان كما أمرنا نحن المسلمين جميعاً بأن نتجه للقاء معلمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بذلك المكان الكعبة بقوله تعالى الكريم: {ومن حيثُ خرجتَ فولِّ وجهكَ شطرَ المسجدِ الحرامِ وحيثُ ما كنتمْ فولُّوا وجوهكمْ شطرهُ} لنستطيع نحن أيضاً أن نولي وجهنا شطره حيثما كنا وفي أي مكان وجدنا فنجعله صلى الله عليه وسلم لنا في إقبالنا على الله إماماً وليكون لنفوسنا سراجاً مضيئاً، وذلك سر الأمر الإلهي ولبابه.
وبناءً على ما قدمناه نقول: نحن في طوافنا واستقبالنا الكعبة لا نعبد الكعبة ولا نتجه إلى الأحجار بل إنما نتجه من ذلك المسجد الحرام إلى الله ونحن لا نعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنما نطوف حول الكعبة لتجتمع نفوسنا بنفسه الشريفة المقبلة على الله من هذا البيت فنتخذه لنا في صلاتنا إماماً وفي نفوسنا سراجاً منيراً، ونقبل على الله بمعيته وهو لها نِعمَ الإمام وخير رفيق.
فالكعبة إذن: هي الوسيلة في قيام وجهة الأنفس إلى خالقها، قال تعالى: {جعلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قياماً للناس}.
وأشرح لك مفصلاً في هذا النسك (طواف القدوم) إن أول ما يفعله المحرم إذا دخل مكة الطواف بالكعبة سبعة أشواط ويبدأ الحاج الطواف من الحجر الأسود فيستقبله ويرفع يديه مكبراً كما يرفعهما في الصلاة ثم يستلم الحجر فيقبله، وبعد ذلك يطوف جاعلاً البيت عن يساره ماشياً رَمَلاً في الأشواط الثلاثة الأولى مضطبعاً بردائه، فإذا أنهى الشوط الأول عاد فالتزم الحجر مقبلاً فإن لم يستطع أشار إليه بكفيه وقبَّلهما وهكذا حتى يتم السبعة أشواط.
المستشرق الغربي: ولكن ما المراد بالهرولة (المشي رملا) وهل هذا موقف عبادة وتذلل، أم غطرسة وإعجاب بالذات و عنفوانٍ وكبر حتى يحرك كتفيه كالمبارز المتبختر بين الصفوف؟
العالم المسلم: ذلك تعبير عن اشتباك نفس الحاج المؤمن بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقباله بمعيته على الله تعالى وسريان الحياة القلبية المترعة بالتجليات الإلهية حتى ازدهت النفس بما رأت وما نالت وانعكس ذلك حبياً على الجسد، فهذا الطائف يقول بلسان حاله: أي ربِّ جئتك أسعى مهرولاً متنازلاً عن كل ما كنت أعتز به من منصب.
ومال متبرئاً من كل ما لصق من قبل بنفسي من إعجاب بالدنيا، مفتخراً بإقبالي عليك طائراً بجسمي وروحي ونفسي إلى رسولك من أمرته باللقاء بي وبالمؤمنين من هذا المكان مكان اللقاء ليعرج صلى الله عليه وسلم بنا إليك، لذا أتيت برسولك معتزاً مستعجلاً مهرولاً.
فالإسلام دين قوة معنوية ربانية، فالوضوء مظهر من مظاهر القوة الجسدية والنشاط وكان قائدنا صلى الله عليه وسلم إذا مشى، مشى كالأسود وكأنه يهبط من علٍ أو يتقلَّع من صخر.
وذلك المعنى الأخير الذي أوردناه إنما يشير إليه هز الكتفين والاضطباع بالرداء وأعني به ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم من جعل الرداء تحت الإبط الأيمن مكشوفاً رأس الكتف وإلقاء الطرف الآخر من الرداء على اليسار فإذا ما طاف جسدك بظاهر الكعبة واستطاعت نفسك أن تخترق الحجارة والبناء وتسري إلى داخله وإذا ما اجتمعت نفسك بنفس رسول الله وعرجت بمعيتها وبصحبتها إلى الله، وصرت ترى نفسك وأنت تتطوف بالبيت بين يدي رب البيت فقد صح طوافك وحصل لك المطلوب من النسك.
وهكذا فلا يتم الإنسان الشوط الثالث وهو بهذا الحال حتى تلج النفس البيت الحرام وهنالك تجتمع كما ذكرنا بسيد العالمين صلى الله عليه وسلم وإمام الرسل الكرام فتقبل معه على الله، تماماً كما كان بنوا إسرائيل يجتمعون بإمامهم موسى وهارون عليهما السلام، وكانت القبلة إذ ذاك بكل بساطة ليست الكعبة البيت الحرام، بل كان يتم اللقاء النفسي بالصلاة بمعيتهما من بيتهما {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصرَ بيوتاً واجعلوا بيوتكم قِبلةً وأقيموا الصلاة وبشِّرِ المؤمنين}.
فكان بنوا إسرائيل يتوجهون إلى إماميهما ليصلوا ويقبلوا بمعيتهما على الله من بيتيهما، فليست العبرة ببناء الكعبة ولا ببيتي سيدنا موسى وهارون، ولكن العبرة للصحبة النفسية مع أي إمام منهما، سيدنا محمد أو سيدنا موسى وهارون عليهم الصلاة و السلام، وتتم الأشواط الأربعة والنفس تتدفق بحياة الإقبال والاعتزاز بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
المستشرق الغربي: ولكن ماذا يفيد الإنسان من تقبيل الحجر الأسود وما الحجر الأسود إلا جمادًٌ وحجر من الأحجار؟ وهل حقاً كما يزعم البعض أن الحجر الأسود حجر من أحجار الجنة؟
العالم المسلم: إن هذا القول الذي يذهب فيه صاحبه إلى أن الحجر الأسود من أحجار الجنة فهو باطل أصلاً إنه يريد أن يلصق الأوهام الباطلة بشرعة الإسلام، إذ ما عساه أن يفعل جماد؟ وما عساه أن يجلبه حجر من خير أم ما عساه أن يرد من شر عن الإنسان؟ أهي عودة لعبادة صنم؟! كلا.
لقد بيَّن لنا صلى الله عليه وسلم المراد من تقبيل الحجر الأسود بقوله: «الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده».
وفي حديث آخر: «الحجر يمين الله تعالى، فمن مسحه فقد بايع الله».
فلن يفرق الحاج بعدها بين أبيض وأسود إلا بالتقوى ولا يرى جمالاً إلا لأهل القلوب فهو يرى بقلبه الحقائق ولن تغره الصور والأهواء والمظاهر الدنيوية.
وهكذا فما الحجر الأسود إلا رمز وما تقبيلك إياه إلا إشارة لارتماء هذه النفس على أعتاب الله وتعبير عن عهد تعاهد عليه الله، تعاهد فيه على الطاعة وانتهاج صراط سوي وسلوك قويم لا تخالطه شائبة، ولا تزعزعه خطوب تمييز عنصري، إذ أضحت هذه النفس المعاهدة الراجعة بالتوبة والإنابة إلى الله أهلاً لأن تخترق خلال طوافها البناء والأحجار وتسري إلى داخل البيت فتجتمع بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقبل بمعيته على الله وبذلك تصل إلى الثمرة المطلوبة من الطواف، بعدها ينتقل الحاج لأداء نسك جديد وهو الصفا والمروة، وهما موضعان مرتفعان يبدأ الإنسان السعي بينهما من الصفا، فإذا بلغ المروة يكون قد أتم شوطاً وهكذا ذهاباً وإياباً حتى يُتم سبعة أشواط.
المستشرق الغربي: إذا كنا قد عرفنا المراد من الإحرام والطواف سبعاً بالبيت الحرام والغاية من تقبيل الحجر الأسود فما المراد يا ترى من السعي بين الصفا والمروة، هل صحيح أن السعي بين الصفا والمروة هو إقتداء بأم إسماعيل أبو العرب عندما تركهما إبراهيم صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان المنقطع فجعلت تبحث عن الماء وتلحق سراباً ذهاباً وإياباً؟
تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، فإذا كانت أم إسماعيل جزعة مروعة خائفة على ابنها فالحجاج ليسوا كذلك؟ فلماذا يركضون، وعلام يبحثون؟
العالم المسلم: أخي الباحث إن مناسك الحج إنما هي سلسلة من أعمال تتدرج بالنفس من حال إلى حال أرقى من سابقه حتى تصل بها إلى الغاية التي أعدت لها.
الحقيقة أن الصفا والمروة رمز لاسمي هذين المكانين، وما أسماء جميع الأماكن التي يمر بها الحاج إلا رموز لحقائق يعرفها من يشعر بها ممن حج البيت حجاًُ حقيقياً، وليست تقليداً أعمى لأم إسماعيل عليها السلام، بل إنها مسيرة ٌ هادفة.
فكلمة (الصفا) تشير إلى ذلك الحال المعنوي الذي يخالط النفس حال وقوفها في ذلك المكان، لقد قادها الطواف إلى الدخول في حضرة الله وانغمست في ذلك الجلال الإلهي فإذا بها تتجه إلى الصفا وقد صفا القلب بإقباله على الله من كل ما سواه فأضحت النفس بقربها من خالقها في صفاء وبحال لا ترى معه غير الله.
فكان الوقوف على الصفا رمزاً لما حصلت عليه النفس وتعبيراًُ عما لازمها من حالٍ عالٍ رفيع. وعندما تشعر النفس بقبول الله لها تهرول ساعية إليه، فما أن تصل للمروة وتقف في ذلك المكان حتى يغمرها حال جديد، إ ذ أصبحت ترى قربها من ذلك الجناب العالي والإله العظيم وهذه الرؤيا إنما هي ثمرة الوقوف بالمروة.
فما رووه عن أمنا هاجر وابنها إسماعيل إنما هو دس لتحويل هدف المسلمين عن الحج والوجهة إلى العظيم جلت عظمته، فليس هناك امرأة جزعة على ابنها ولا سواه، ولا أصل لتلك الحكاية.
ويظل الحاج مقيماً في مكة يطوف ويسعى والنفس ترقى من حال إلى حال أعلى، ومن صفاء إلى صفاءٍ أنقى ليشاهد مشاهداتٍ أعلى من ذي قبل، هكذا يظل شأنه حتى اليوم السابع أو الثامن من ذي الحجة حيث يتأهب للتوجه إلى عرفات.
المستشرق الغربي: أذكر حديثاً روي عن رسولكم «الحج عرفة» فما المقصود بعرفة وكيف الحج عرفة؟ مع أن عرفة جُبيل صغير في ميدان كبير تحفه الجبال فما علاقة الحج كله بجبيل في متاهات جبال وصحاري الجزيرة العربية؟
العالم المسلم: يا أخي الحج رموز ظاهرية مادية لحقائق نفسية معنوية تعبيرية عما يحدث بنفس الحاج من جلائل الأحداث وعظيم النوالات من ذي الجلال والإكرام، والحقيقة أن عرفة ترمز إلى حصول الحاج على المعرفة العلية والعلوم الدنيوية والأخروية السرمدية وبالحديث الشريف: «ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن» والقلب بيت الرب وبالحديث القدسي العلي: «كنت كنزاُ مخفياُ فأحببت أن ُأعرف فخلقت الخلق وعّرفتهم بي فبي عرفوني».
لقد أفاض الله على عبده المؤمن الحاج ما أفاض من جزيل إنعاماته الذوقية والشهودية مع الصحبة النفسية لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم في مسيرة نفس الحاج إلى مقصد المقاصد وشأن الشؤون عظيم الشان قوي البرهان رب كافة الأكوان العظيم الله، كنز الكنوز كلها فعرفه هذا الحاج ونال أقصى المنى بعرفة بعد صحبته النفسية لنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دخل بعرفهْ على الله وعَرَفه.
لقد ذكرنا أن الحجيج يتوجه ا بتداءً من اليوم السابع أو الثامن إلى عرفه ويبيت في منى، وفي ذلك المكان يدعو الحاج ربه قائلاُ: (اللهم هذه منى فامنن علي بما مننت به على أوليائك وأهل طاعتك). ولاسم هذا المكان منى معنىً يعبر عن قرب نيل الحاج أمنياته التي طالما تكبد من أجلها المشاق، فهو يتضرع إلى الله في تلك الليلة ليحقق أمنياته ويكون في عداد الناجحين، إذ ينال ما هو ساعٍ إليه فغداً في عرفه تبيض وجوه وتسود وجوه، غداً يجني الحاج ثمرة أتعابه وما أصعب الانتظار قبل إعلان النتائج ويظل هذا حاله يدعو ويتضرع إلى أن يتنفس الصبح طلباً للمعرفة التي من أجلها ُخلق. وفي اليوم التاسع يقفون بعرفة ولأصواتهم عجيج يسري في الآفاق ويملأ الفضاء وكلهم يقول مخاطباُ صاحب العزة والجبروة مجيبا نداء ذي الملك والملكوت وقد ناداهم ليتفضل عليهم ويسبغ عليهم من إحسانه فيلبون النداء بقولهم: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).
إنه يوم يشبه الحشر والنشر لا فضل فيه لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي اليوم يتفاضل الناس بأعمالهم الطيبة التي قدموها سابقاُ لهذا الشهود العظيم، لا بأنسابهم ولا بألوانهم. هذا اليوم هو نيل الشهادة (شاهدة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) شهوداً قلبياً وفي هذا اليوم يرى الحاج حقائق ما كان ليراها من قبل، ويرى الخير كل الخير فيما كان يأمره الله به، وا لشر كل الشر فيما كان ينهاه عنه. وفي هذا اليوم يرى حقائق أسماء الله الحسنى متجلية على العرش بالإحسان والفضل بالرحمة والكرم والحنان والبهاء.
لقد بذل الإنسان حتى بلغ هذا الموقف أموالا طائلة وتكبد مشاق ومتاعب جسيمة وقضى في هذا السبيل شهورا. بل سنين عديدة وهو اليوم يريد أن ينال ثمرة ما بذل ويظفر بنتيجة ما قام به من أعمال.
فإن كان من الناجحين ستتسامى نفسه عارجة إلى ذلك العالم المعنوي عالم الطهر والقدس وشهود الكمال وتتصّعد ميول النفس وتسمع ويلذّ كثيراً الإقبال على ذي العزة والجلال وما تزال تسمو وتتسامى حتى تبلغ الأوج وتصل إلى الذروة وتصبح أهلا للرؤية.
وهنالك تميط الحضرة الإلهية اللثام لهذه الأنفس المقبلة بمعية رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي أضحت بإقبالها العالي أهلا لرؤية الكمال والجمال الإلهي فترى طرفا متناسبا مع حالها وإقبالها نفحة من النفحات فتصطبغ من الله تعالى بصبغة الكمال فتغدو محبة الحق مدركة الحق من كل أمر من الأمور، وفي كل عمل من الأعمال.
هذا هو اليوم التاسع من ذي الحجة إنه يوم عرفة إنه يوم الحج يوم يجني الحاج ثمرة عمله ولعمري هذا ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديثه إذ بعد هذا اليوم أصبح الحاج بالخلق رؤوفا رحيما ونزل من عرفة وللحكمة ينابيع تتفجر بلا انقطاع في قلبه.
لقد عرف ربه ومن أجل ذلك خلق الكون لقد درس هذا الحاج في مدرسة عليا كان معلمه ومرشده فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوصل إلى هذا المقام العالي من الكمال الإنساني بعرفة وصار أهلا لأن يكون معلما في تلك المدرسة العليا وُيعرّف الناس مما أفاض الله عليه بعرفه لأنه بعرفه عرف كنز الكنوز جل بهاؤه.
وعند الغروب يدفع الحجيج إلى المزدلفة وعليهم السكينة والوقار من هذا الحال العالي الذي غمر نفوسهم وتلك الزلفى التي فازوا بها من خالقهم ويذهبون إلى المزدلفة وقد غمرت أنفسهم موجة عظيمة من الشكر لله على ما منّ به عليهم من الهداية وإلى ذلك أشارت الآية الكريمة في قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}.
ويمتد بهم الوقوف بمزدلفة إلى الإسفار وعندئذ قبيل طلوع الشمس يذهبون إلى منى، وفي منى يرمون جمرة العقبة بعد طلوع الشمس سبع رميات بسبع حصيات كانوا قد حملوها معهم كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم من مزدلفة ويقطعون التلبية عند أول حصاة.
يأخذ أحدهم الحصاة بين السبابة والإبهام من اليد اليمنى ثم يقذف بها إلى موضع الرمي من الجمرة ويكبر بكل حصاة يرميها فيقول: بسم الله الله أكبر رغماً للشيطان وحزبه ورضاءً للرحمن اللهم اجعله حجاُ مبروراًُ وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً.
المستشرق الغربي: آن لي أن أفهم المراد من رمي الحصيات، فهل يقف الشيطان مكبلاً حتى يرجمه الحجاج؟ أي هل ترك الشيطان أماكنه من خمارات وملاهي ليلية وفواحش وكبائر وجيء به إلى هنا ليتلقى ضرب صغار البحصات، وهل هذه البحيصات ستقضي على الشيطان فلا فساد في الأرض بعد هذا الرجم؟
العالم المسلم: في الجواب على هذا السؤال أقول:
لا يظنن امرؤ أن الحاج إنما يرمي الشيطان فالشيطان لا يؤذيه مثل ذلك وما هو ساعتئذ بمحجور هناك وما ذلك الرمي إلا إعلان عن شعور وتعبير عن حال نفسي ونسك يرمز إلى حقيقة تمثلت في نفس هذا الإنسان وإليك بعض التفصيل لهذا النسك:
لقد شهدت نفس هذا الإنسان المستنيرة بنور ربها بما تكرم الله عليها في عرفات ورأت حقيقة الدنيا وما انطوت عليه شهواتها الدنية من أذى وشقاء ولذلك تراه عندما يرمي الحصاة يقول بلسانه الله أكبر ونفسه تقول ما أكبر فضلك علي أيها الرب الكريم لقد هديتني بهداك وتفضلت علي بمعرفتك وشرفت قلبي بحب رسولك ونبيك وأريتني مكائد الشيطان وحزبه وأنا أعلن معاداتي للشيطان وحزبه بما ألقي به من حصيات.
إنه يرمي الحصاة ولسان حال النفس يقول: (هكذا عاديتك أيها الشيطان الرجيم وعاديت كل بعيد عن الله فمالك علي بعد اليوم من سبيل).
ذلك بعض ما ندركه من هذا النسك الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمي الجمار وذلك مما نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم عند الرمي إذ يقول: «بسم الله الله أكبر رغماً للشيطان وحزبه ورضاء للرحمن»... وبهذا الرمي يكون قد تخلص من أكبر عقبة تواجهه في حياته، وهي معاداة الشيطان وذلك نتيجة المعرفة الرفيعة التي نالها في عرفات من الله تعالى والتي بها نال التقوى.
وإذا انتهى الحجاج من الرمي صلوا مع إمامهم في منى صلاة عيد الأضحى وما صلاة العيد في هذا الموطن إلا إعلان عن شكر الإنسان لخالقه على ما منّ به عليه في الحج من عظيم الهداية وسابغ الفضل وبالغ الإحسان والنعمة.
المستشرق الغربي: عفواً، ولمَ سبع حصيات حصراً؟
العالم المسلم: إنها إشارة لإغلاق أبواب جهنم السبعة، إذ إن الحاج غدا إنساناً بصيراً يرى مداخل الشيطان الولوج إلى قلبه من إحداها، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اتقوا السبع الموبقات».
بعد ذلك يذبح الحجاج الأضاحي في منى ومن بعد ذلك يحلقون رؤوسهم لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رمى ثم ذبح ثم دعا بالحلاق ومن بعد الحلق يحل للحاج كل شيء حظر عليه خلال الإحرام كتقليم الظفر ولبس المخيط من الثياب وغير ذلك إلا النساء، ومما يشير إلى ذبح الأضاحي في الحج ما ورد في الآية الكريمة من قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي}.
المستشرق الغربي: ولِمَ الذبح لتلك البهائم في تلك المناطق؟ أليست الأموال أفضل لأهل المنطقة؟
العالم المسلم: يذبح الحجاج الأضاحي في منى، فهي بمثابة قربان لتكتسب النفس ثقة بعملها فيتفضل عليها ربها، قال تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم}.
وكلما كان الهدي أعظم وأغلى ثمناً كانت ثقة النفس بعملها أكبر وكان إقبالها على الله تعالى أكثر وبالتالي كان عطاؤه وتفضله على هذا الإنسان أكبر والناس على درجات، قال تعالى: {ولكل درجات مما عملوا} ولا يجوز قطعاً تغيير هذه الفريضة بإبدال ثمن البدن بالمال لما في ذلك من هدم للحياة الاقتصادية في تلك البقعة، وبالتالي القضاء على فريضة الحج، ولا اجتهاد فيما ورد فيه النص.
قال تعالى: {ومن يعصٍ الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالداً فيها وله عذاب مهين}. ففي تأدية هذا النسك إحياء لأهل تلك البلاد وتشجيع لهم على البقاء في تلك البقعة للقيام بمعونة الحجاج وخدمتهم وفي هذا ما فيه من الإبقاء على فريضة الحج وإقامة هذه العبادة الهامة مدى الدهر، حيث يسيم تجار الأغنام أنعامهم بتلك البقاع الطاهرة رغبة بالكسب بموسم الحج بنسك الهدي، فيتأمن لأهل مكة وما حولها اللحوم والسمن والألبان ومشتقاتها طوال العام مما يمكّنهم من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ويبقون لخدمة الحجاج بموسم الحج، ولو أخذوا أموالا بدلاً من الذبح بموسم الهدي لأخذوا الأموال وغادروا تلك البقاع فأقفرت البلاد القفراء من أهلها ولبطلَ الحج والعبادة.
ونتمّ الآن لك ما يجب أن يفعله الحاج بعد ذبح الهدي في منى فنقول:
إذا انتهى الحاج من الذبح وحلق شعره نزل إلى مكة وطاف طواف الإفاضة بالكعبة سبعاً غير أنه لا يرمل في هذا الطواف.
المستشرق الغربي: ولكن لمَ لا يهرولون ولا يسرعون كما في طواف القدوم؟ لمَ لا يظهرون هذا التذلل والخضوع ثانية بعد أن رأوا طرفاً من جلال وكمال الله العظيم وأزهرت وازدهت نفوسهم وأبدانهم فخراً وعزاً بما ينالون؟
العالم المسلم: إذا عرفنا حال الحاج في طوافه الأول وحاله الآن بعد وقوفه بعرفة ووصوله إلى ما وصل إليه من حال رفيع تدرك السبب في اختلاف الطوافين وأقرب عليك الخطوة فأقول: حال الحاج في طوافه الأول هو تعبير عن اشتباك نفسه بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقباله بمعيته على الله تعالى وسريان الحياة القلبية المترعة بالتجليات الإلهية حتى ازدهت النفس بما رأت وانعكس ذلك حبياً على الجسد، ولذلك تراه يرمل في طوافه ذاك إظهاراً لشوقه لرسوله وللقاء خالقه وتسارعه إلى لقاه ورضاه.
أما وقد تفضل عليه ربه وأناله سؤله لذلك تراه لا يرمل في هذه المرة بل يطوف شاكراً فضل الله تبدو عليه السكينة والوقار اغتباطاً بما نال، ومن ذاق هذه الأحوال عرف سر هذه الأوضاع في كل طواف ويسمى هذا الطواف الثاني طواف الإفاضة أو الزيارة وهو ركن من أركان الحج، وما طواف الإفاضة كما ذكرنا إلا إعلان عن شكر العبد لخالقه، واعتراف بفضله تعالى، وتمسّح بأعتابه وإشعار للنفس بان دخولها في حضرة الله ووقوفها في ذ لك الجناب العالي أضحى ميسوراً لها في كل وقت وحين من بعد أن أفاض تعالى ما أفاض عليها من العلم والمعرفة وبعد أن رأت من الرحمة الإلهية وشهدت ما شهدت من الفضل الإلهي الشامل ففي كل صلاة وإن شئت فقل بمجرد أن يغمض الإنسان جفنه عن هذا العالم وبأقل من لمح البصر تراه يطوي الكون كله ويغدو في حضرة الله ماثلاُ بين يديه مشاهداً كماله فانياً في شهود رحمته وحنانه.
فإذا أتم الحاج هذا الطواف الثاني بالكعبة فقد تم حجه وحصل له التحلل الأكبر فيحل له النساء والصيد وجميع ما كان ممنوعاً من محظورات الإحرام.
وبعد طواف الإفاضة الذي تحدثنا عنه الآن يرجع الحاج من مكة إلى منى ولا يبيت في مكة ولا في الطريق لأن ذلك هو السنة وعلى الحاج أن يقتفي أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل نسك من مناسكه إن أراد لنفسه حجاً صحيحاً، وفي منى يبيت ثلاث ليالٍ مقصراً الرباعية من الصلوات وفي اليوم الأول من أيام التشريق وهو ثاني أيام العيد يذهب بعد الزوال وقبل صلاة الظهر لرمي الجمار الثلاث في ثلاثة مواضع، فإذا كان اليوم الثاني من أيام التشريق وهو ثالث أيام العيد يرمي الحاج الجمار الثلاث كما فعل أمس وهو مخير بين الاكتفاء بالرمي في يومين أو البقاء إلى اليوم الثالث من أيا م التشريق والقيام بالرمي كما فعل في اليومين السابقين.
المستشرق الغربي: طالما أنه رمى بعد نزوله من عرفات، فلِمَ تكرار رمي هذه الجمرات؟
العالم المسلم: ما الرمي هذا إلا تعبير النفس المشاهدة عما عزمت عليه سابقاً من معاداة الشيطان وعدم الالتفات إلى وساوسه، إذ أصبح هذا الحاج التقي لديه من الحجة ما يستطيع أن يرد بها كيد الشيطان، إن إبليس وذريته لم يكن مسلسلا في تلك المناطق الثلاث حتى نرميه بتلك الحصيات وإنما هي رمز أو إشارة لمعاداته.
أما وقد أنهى الحاج من رمي الجمار في أيام التشريق ونفر إلى مكة مع الحجيج فعليه أن يأتي الأبطح وهو مكان بين منى ومكة ويسمى أيضاً بالمخصب وعليه أن ينزل به ساعة لما روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم نزل به ومن بعد ذلك يدخل مكة فيطوف طواف الصدر، وطواف الصدر يكون بسبعة أشواط لا رمَلَ فيها فإذا انتهى من الطواف صلى ركعتين ثم يأتي زمزم فيشرب من مائها ويصب على وجهه ورأسه ثم يأتي الملتزم وهو ما بين باب الكعبة والحجر الأسود فيضع صدره وجبهته عليه ويتشبث بأستار الكعبة ويدعو.
المستشرق الغربي: فما المقصود من وضع الصدر والجبهة على الملتزم ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة، وما الغاية من التشبث بأستار الكعبة الأستار ولا الكعبة؟
العالم المسلم: إنما المقصود الضراعة إلى الله والتشبث بجنابه العالي طلباً لدوام هذا الفضل، فبالصورة الجسدية يتشبث بالأستار وبالحقيقة فإن نفسه تتشبث بدوام الاتصال بحضرة الله وعدم الانقطاع عنه عهداً بنفسه لنفسه طالباً من مولاه جل وعلا أن لا يهتك عن نفسه ستره بأنوار الحبيب الموصل إليه تعالى، وعدم انقطاع هذا الحاج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي به الصلاة الدائمة، أي دوام الالتزام والاتصال بالله بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم مدى الحياة.
المستشرق الغربي: هل ثمة فرق بين النساء والرجال في تلك المناسك والأعمال؟
العالم المسلم: عزيزي المرأة لا يجوز لها أن تذهب إلى الحج إلا إذا كانت مع محرم، أي الذين لا يجوز لهم نكاحها على التأبيد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم».
كما قال صلى الله عليه وسلم: «إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه».
فالمرأة تحرم في وجهها، وفي ذلك إشعار لها بأن تتباعد عن الأنظار خلال حجها كل التباعد، فلا يراها الرجال ولا ترى الرجال البتة، لذا جعل مقياس هذا التباعد أن تصبح في جو تجد فيه من الحرية ما يكفل لها كشف وجهها. وهكذا فالنساء لا يطفن ولا يسعين في الحج مختلطات مع الرجال ولا على مرأى منهم ولكلٍّ دوره في الطواف، وإذا ما مر بهن رجل بالطريق للحج أن َيْسِدلْن نقابهن فقد قالت زوجة رسول الله السيدة عائشة رضي الله عنها: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات فإذا حاذَوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه».
كما أن المرأة لا ترمل في الطواف بالبيت ولا تهرول في السعي بين الصفا والمروة، كما أنها لا تطوف في حال الحيض حتى تطهر وبقية المناسك تؤديها كالمعتاد.
وأخيراً لماذا حث رسولكم على زيارته، فلا يكاد أحد ينهي حجه حتى يزوره إلى ضريحه حيث ووري جسده ولا عمل للجسد فما المقصود منها، أم ماذا يجد الإنسان في زيارته لمفارق للحياة وماذا يجنيه من النفع والفائدة؟
لقد ذكرت لك مكونات الإنسان النفس والروح والجسد، والنفس هي الذات الشاعرة هي عنصر نوراني لا تمتد إليها يد الفناء، فإذا ما فارقت الروح الجسد ومات هذا الإنسان لبست النفس الحال الذي كانت وصلت إليه في الحياة الدنيا ورافقت إمامها في الكعبة إلى الحضرة الإلهية، والرسول صلى الله عليه وسلم عند انتقال جسده الشريف ووري تحت التراب، ولكن نفسه حلقت بجنات الذات الإلهية ومركز انبثاق هذه النفس السامية العلية، إنما يتم من الكعبة شرفها الله برسله الكرام وبالأبرار وشعاع من نور هذه النفس الشريفة يشرف على جسدها الذي كان مطية أعمالها العالية.
فقوله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة، إلا أصحاب اليمين، في جنات يتساءلون}.
وهكذا إذا ذهب الحاج لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم ووقف أمام مقامه الشريف يسِّلم عليه فنفسه صلى الله عليه وسلم تشاهده من الكعبة ومن جناته العلى وتراه وتسمع سلامه، وإذا كان مؤمناً حقاً وممن وصل إلى حال نفسي رفيع استطاع أن يعاين ذلك ويسمع منه صلى الله عليه وسلم نفسياً ردَّ السلام عليه بعد قدوم نفسه الشريفة الطاهرة للقاء من اشتاق لرؤياها.
فنفس المصطفى صلى الله عليه وسلم نورها الساري فيها من الله يضيء عليك إذا اتجهت نحوه عن طريق جسده الشريف، وبمجرد صلتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ترى كمال الله، فالنور المحمدي يضيء عليك أيها الزائر، فبنور نفسك على نور المصطفى صلى الله عليه وسلم ترى الحضرة الإلهية وتهتدي للحق، إذ يختلط شعاع النفس الزائرة بنفس رسول صلى الله عليه وسلم الزكية الطاهرة فتقبل بمعيتها على الله وتعرج بصحبتها، وهذه الصحبة شفاعة ورفقة في الإقبال بمعيته صلى الله عليه وسلم على الله والائتمام به في الوجهة إلى الله، قال صلى الله عليه وسلم: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». فمن طلبك وجب عليك تلبيته، ومن أوفى بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
تبدأ بالحاج منذ زيارته هذه وتمتد به حتى آخر لحظة من لحظاته في هذه الحياة بل تلازمه ولا تفارقه إلى ما بعد الوفاة فما تزال نفسه مرافقة مصاحبة تلك النفس السامية حتى تقف للحساب بين يدي الله.
قال تعالى: {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير}.
تلك هي الغاية من زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحقيقة لا يعرف قدر هذه الزيارة إلا امرؤ آمن بالله حق الإيمان، يتوج حجه بتلك الزيارة العالية ويسمو بنفسه إلى منازل المؤمنين الصادقين.
إن تبيان الكتاب قد أوكل الله أمره إلى رسله الكرام وقد طلب إبراهيم عليه السلام من ربه أن يريه تلك السنن وتلك المناسك كما ورد في القرآن الكريم على لسانه: {وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم}.
لقد رأى إبراهيم صلى الله عليه وسلم بنظرته البعيدة والعميقة ما لهذه المناسك من أهمية وما تنطوي عليه من حكم لأن الإنسان إذا لم يعرف الغاية من العمل الذي يأمره تعالى به أو ينهاه عنه فإنه يسهل عليه أن يستبدل نسكاً بغيره معتقداً أن هذا الاستبدال هو الأصلح، قال تعالى عن لسان سيدنا إبراهيم: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم}.
إذ لا يكفي تعلم الكتاب وحده دون معرفة الحكمة منه، ومن تعلم الكتاب وحكمته فقد أوتي خيراً كثيراً، وكذلك نال سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم أعظم علمٍ وحكمة من الله تعالى، وكل من تعشقت نفسُه نفسَه الشريفة نال من هذا العلم والحكمة على قدر محبته وتقديره لمعلمه الأعظم صلى الله عليه وسلم.
المستشرق الغربي: يا أخي الباحث المسلم بالله عليك أن تعلمني ما الهدف من الحج ككل، أي ماهية التقوى التي ذكرتها لي آنفاً؟
العالم المسلم: التقوى يا أخي هي مشاهدة النفس المقبلة على الله ورؤيتها بذلك النور الإلهي الذي اكتسبته بقلبها منه تعالى بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم فترى به الخير من الشر والحق من الباطل، فالنور الإلهي يكشف للنفس عما في الأمور المحرمة أو المنهيات من شر فتتقيها بعداً عن أذاها وضررها، كما أن ذلك النور الإلهي يكشف أيضاً للنفس عما في الأوامر الإلهية من الخيرات فتسارع إليها رغبة بها فتتقي تركها لما ترى في الترك من الحرمان والخسارة المحدقة، ثم إن التقوى وإن شئت فقل هذه الاستنارة بنور الله على درجات فكلما كانت صلة النفس بربها أعظم وكلما كان إقبالها عليه تعالى أشد وأدوم كان نورها أكثر إضاءة لها وكشفاً وكانت رؤيتها أعظم وضوحاً (وكيف يخطئ من في الضحى يتطلع).
يا أخي مثل التقوى بالنسبة للمؤمن ذي الإقبال العظيم المتواصل على حضرة الله كمثل مصباح بين يديه شديد التوقد مستمر الاشتعال قوي النور والاشعاع في ليلٍ أليل بهيم رهيب يرى به طريقه فيتقي به الوقوع في المهالك ويختار السبيل الواضح الأيسر للنجاة وللخير والسعادة.
المستشرق الغربي: أخي الباحث المسلم: إن ما أسمعه منك عجيب وغريب، ولكنه حق وواقع وعين عيون الحكمة والصواب، فما جاء به عالمنا الكبير العلامة محمد أمين شيخو هو من وحي كتاب الله المقدس (القرآن) لأنه لا خطأ ولا ضلال فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما سواه ظنون واجتهادات غير مبصرة، بل سراب في سراب.
جزاه الله عنا خير الجزاء، فنحن لا نستطيع إيفاءه الشكر على ما أسداه.
من ثنايا علوم العلامة الإنساني محمد أمين شيخو
المستشرق الغربي: أخي المسلم لقد أُعجبت كثيراً بالبحوث التي ناقشناها سابقاً حول تعدد الزوجات والطلاق والحجاب في الإسلام، ودُهشت بعدها بما بيّنت لي عن حقيقة رسولكم الكريم محمد بن عبد الله، وزاد إعجابي وتقديري عن الحكمة الإلهية الصاعقة التي أيدها الطب في عصره الحاضر العتيد لفائدة ذكر اسم الله تعالى على الذبائح وغيرها من روائع ما بينت لي من أحكام دينكم الإنساني الحنيف، ولكن هناك أموراً أخرى لا أفهمها وعلى رأسها موضوع الحج عندكم، فهلا حدثتني عن الحج والغاية التي شرعها تعالى لعباده من ذلك.
العالم المسلم: إن الغاية من الحج كالغاية من رمضان ألا وهي نيل المؤمن (التقوى)، قال تعالى مبيِّناً غاية الصيام: {يا أيَُّهَا الَّذين آمُنوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتَّقُون}.
فمن المؤمنين من يحصل عليها في رمضان ويزيدها في الحج لأن التقوى كالإيمان بازدياد مستمر وقد تجد الفرق شاسعاً بين مؤمن وبين مؤمن وبين تقي وتقي.
ومنهم من لا يحصل عليها في رمضان فيكون الحج مرحلة مكمِّلة لمن فاتته التقوى في رمضان، ومن لم ينل التقوى من صوم رمضان أو الحج فلا حقق الغاية لأنه لم يجد ويجتهد في كلتا المدرستين.
لقد بيِّن تعالى الغاية من الحج فقال: {الحجُ أشهرٌ معلوماتٌ فمن فرضَ فيهنَّ الحجَّ فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جِدالَ في الحجِّ وما تفعلوا من خيرٍ يعلمهُ الله وتزودوا فإنَّ خيرَ الزاد التقوى واتّقونٍِ يا أُولي الألبابِ}.
وقوله تعالى: {واذكروا الله في أيامٍ معدوداتٍ فمن تعجلّ في يومينِ فلا إثمَ عليه ومن تأخرَ فلا إثمَ عليه لمنِ اتقى واتقوا الله واعلموا أنكمْ إليه ُتحشرونَ}.
ونفهم من هذه الآية الكريمة بأن الذي حصل على شاهدة التقوى فلا إثم عليه إن تعجل أو تأخر في أيام التشريق عند رمي الجمار طالما أنه نال الغاية التي من أجلها ذهب.
المستشرق الغربي: طالما أن الإنسان المؤمن نال التقوى من صوم رمضان فما الفرق بين التقوى التي نالها في الحج عن تقوى رمضان؟ وما الفائدة من تلك التقوى؟
العالم المسلم: قد تجد الفرق شاسعاً بين مؤمن ومؤمن وبين تقي وتقي، فقد حثّ الله تعالى المؤمنين على الإيمان ومعنى ذلك أن يزيد المؤمنين إيمانهم عمقاً في أنفسهم فقال تعالى: {يا أيها الذين آمَنُوا آمِنُوا بالله ورسوله}.
وقال أيضاً جلّ شأنه: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} سورة الفتح (4).
والتقوى هي أعلى المراحل تبتدئ حينما ينتقل المؤمن من أعلى مراحل الإيمان إلى أول مراحل التقوى، وبمراحل التقوى العليا يتم الإسلام الكامل والاستسلام الكلي لله رب العالمين.
إذن بتقوى رمضان ينال المؤمن الاستنارة بنور الله، أما في الحج فيرى الحكمة الخفية وراء الأمور كلها فيغدوا عالماً حكيماً وفقيهاً في الدين.
المستشرق الغربي: لِمَ جعل الله الحج في مناطق شعساء وصحاري غبراء، كان الحاج قديماً يذوق آلام المشقات وأهوال المخاطر حتى قيل (تعذبنا عذاب الحرمين) لمَا يلاقي من المتاعب الجسدية، هذا من جهة ومن جهة ثانية لمَ كان المكان المختار للحج وادٍ لا ماء فيه ولا شجر بصحارٍ وجبال جرداء لا خضرة فيها ولا ماء، ولم يجعله الله في ُربى كربوة دمشق الفيحاء، أو جبال لبنان جنات نعيم الدنيا واخضرارها، أو في بلادٍ ساحرةٍ كسويسرة مثلاُ إلا في هذا المكان الموحش النائي عن العباد؟
العالم المسلم: إن بيت الله الحرام وضعَ كما أخبرنا تعالى بوادٍ غير ذي زرع، وفي مكان تحيط به الصحراء من جميع جهاته، ويضطر الحاج إلى قطع مسافات طويلة وسط صحراء تكاد تكون مقفرة من السكان إلا من بضع واحا ت متوضعة هنا وهناك، يتزود منها الحاج حاجته لتساعده على متابعة السفر اللهم إذا استثنينا هذا العصر الحضاري، إن الحاج الآن في طريق مقفرة، وكل شيء فيه يكاد يكون ساكناً إلا من فحيح الأفاعي وصرير الجنادب، وعواء الأوابد، وتعصف بين الحين والحين ظلل من الرمال تحبس الرؤيا وتكاد تسد مجاري التنفس والقافلة تستقبل نهاراًُ وتودع ليلاً وتودع ليلاُ لتستقبل نهاراُ.
ينطلق الحاج في رحلته وما هي إلا بضعة أيام حتى يتخلص الحاج من العمران ليستقبل الصحراء وجهاُ لوجه فالدنيا خلّفها وراء ظهره ولم يبقى أمامه ما يشغل نفسه إلا الذي هو قاصده.
إنها ذكريات تتناسب والغاية التي شدت إليها الرحال، وإنها ذكرى ليوم لا ريب فيه سوف تفارق فيه الحياة الدنيا، وتفارق الأهل والأحباب.
كذلك فإن مناظر الحيات والعقارب، وسماع أصواتها تذكر الحاج بالقبر، وما يلقى فيه من أمثال تلك المخلوقات، تلك المشاهدات سوف تترك في النفس إحساساً بعدم دوام الحياة وأن لا بد من يوم ينادي فيه المنادي ألا أيها الإنسان تهيأ للرحيل، فالأوان قد آن لمفارقة الأهل والمال والخلان، هذا الإحساس يدفع الحاج لكي يشمر عن ساعد الجد ويسعى في طلب الحق.
من هذا الوصف تبدو لنا الغاية سافرة من وضع البيت الحرام في مكان بعيد، وفي وادٍ غير ذي زرع، خالياُ من كل ما يشغل النفس من مفاتن الدنيا وزخرفها، لأن أعظم عقبة تحول بين الإنسان وربه، هي حب الدنيا وانشغاله بها عن الآخرة، فهي التي تسد السمع وتطمس على البصر وتجعل القلب غافلاً عن ذكر الله وهذه هي الحكمة من وضع البيت الحرام في جوف الصحراء وفي وادٍ غير ذي زرع.
المستشرق الغربي: في نسك الإحرام لديكم، ِلمَ يخلع الحاج ثيابه كلها ويرتدي ما يرتديه المغتسل بالحمام من مناشف وشراشف، فيبدو ذو مظهر غريب لا تجده في بلد آخر وزي عجيب، يكاد لا يرتديه أحد؟
العالم المسلم: قبل دخول الحجيج مكة بمسافة تقدّر بين مسير يومين وعشرة أيام يصادفهم نسك الإحرام، وفي هذا النسك يستبدل الحجاج ثيابهم المخيطة بثيابٍ غير مخيطة بعد أن يغتسلوا ويقصروا من شعورهم ويقلموا أظافرهم.
إن هذا المشهد يذكرنا حالاُ وبدون أدنى شك بحالة الميت قبل حمله إلى مقرَّه الأخير، إذ عندما يموت المسلم تخلع عنه الألبسة المخيطة ثم يُغسّل وُيلّبس أثواباُ غير مخيطة ثم يوضع في النعش ويحمل إلى المقبرة، كذلك الحال بعد أن يغتسل ويلبس الحاج ثوب الإحرام المشابه للكفن تحمله الراحلة إلى البيت الحرام، إنه إشعار يشعر النفس بخلع الدنيا ومناصبها والتخلي عن زينتها وبهرجها، وإلى جانب ذلك كله حينما يرى الإنسان نفسه وقد لبس البياض وتلفف بالإزار والرداء وأضحى حاسر الرأس مكشوفه تراه يذكر ساعة الموت تلك الساعة الرهيبة التي سيفارق فيها الدنيا فيجرد من الثياب ويغسل ويكفن بالبياض وهنالك وما أعظم ما في الموت من موعظة وذكرى تجد هذا الحاج قد زهد في الدنيا زهداًُ كلياًًًًًً ولم يبق له إلا أن يقبل على الله بوجهه فيتزود من دنياه لآخرته.
ويسير الركب إلى أرض الحرم وتعج هذه الأرض المقدسة بعشرات الآلاف من بني الإنسان جمعتهم على تنائي ديارهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم دعوة الله وكلمته فإذا بعضهم يموج في بعض وإذا هم بياض في بياض وكأنهم قد وقفوا بين يدي الله للحساب والسؤال والجواب في يوم المعاد، هنالك يذكر هذا الحاج ذكرى ثالثة ويعلم أنه سيقف في مثل هذا الموقف في يوم مجموع له الناس وأن الله سبحانه وتعالى هو الحكم العدل وكل امرئ بما كسب رهين.
وهنا يتحفز هذا الإنسان وقد أصبح هذا حاله إلى العمل المجدي ويشيح عن الدنيا بوجهه ويلتفت إلى الله تعالى بكليته ليؤدي مناسك وأعمالاً إذا هو أداها حق التأدية فقد ظفر بالثمرة المطلوبة من الحج وفاز فوزاُ عظيماُ.
المستشرق الغربي: لِمَ التضييق والتشديد على الإنسان بعدم السماح له بالصيد وحتى بحك رأسه والتقصير بلباسه والجدال فلا ضحك ولا مزاح ولا أحاديث ولا فكاهات؟ فإن حكَّ رأسه فعليه فدية ذبح أضحية يوزعها قبل إتمام منسكه؟
العالم المسلم: عندما يموت الإنسان لا يستطيع أن يحك جلده أو يقصر شعره أو يقلم أظافره كما لا يستطيع الرفث ولا الفسوق ولا الجدال.
وهذه المرحلة متممة للمرحلة التي سبقتها بلبس غير المخيط، ففي المرحلة السابقة إحساس وتذكر للموت، أما في الإحرام فتصبح ممارسة ذلك الإحساس عملياً، فالمحرم لا يجوز له الحك والتقصير والجدال ولا قتل الحيوانات أو صيدها، كذلك الميت فلا يستطيع دفع تلك الحيوانات عن نفسه ولا حك رأسه ولا التفكه بالكلام ولا المخيط من اللباس عندما يسجى في القبر، وفي حال مخالفة أحد هذه الأوامر يستوجب الفدو لكي لا يشعر الحاج بالخجل من ربه بسبب مخالفته أحد هذه المنهيات فيتحول قلب الحاج إلى الدنيا بدل القصد والتحول عن الدنيا إلى عظيمٍ جلَّ شأنه وبذلك يستطيع الحاج إكمال حجه فلا تفوته هذه الفرصة الثمينة.
المستشرق الغربي: ما الحكمة من الدوران حول حجر كبير لا يرى ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع (لا سمح الله أشبه بصنم كبير) بعد أن قضى رسولكم على الأصنام الصغيرة وبقي هذا الصنم الكبير؟
العالم المسلم: ماذا تقول! الكعبة صنم كبير! لا يا أخي، إن الطالب عندما ييمِّم وجهه شطر جامعته، ُتراه هل يذهب لرؤية المقاعد أو القاعات؟
وملاعب الجماعة ونواديها ومقاصفها ومطاعمها، أم يذهب لينهل العلوم والمعارف من أساتذة تلك الجامعات؟ أي أيقصد الحجر، أم البشر؟
أمر الله تعالى معلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالا تجاه شطر المسجد الحرام لتكون نفسه مقبلة عليه تعالى من ذلك المكان كما أمرنا نحن المسلمين جميعاً بأن نتجه للقاء معلمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بذلك المكان الكعبة بقوله تعالى الكريم: {ومن حيثُ خرجتَ فولِّ وجهكَ شطرَ المسجدِ الحرامِ وحيثُ ما كنتمْ فولُّوا وجوهكمْ شطرهُ} لنستطيع نحن أيضاً أن نولي وجهنا شطره حيثما كنا وفي أي مكان وجدنا فنجعله صلى الله عليه وسلم لنا في إقبالنا على الله إماماً وليكون لنفوسنا سراجاً مضيئاً، وذلك سر الأمر الإلهي ولبابه.
وبناءً على ما قدمناه نقول: نحن في طوافنا واستقبالنا الكعبة لا نعبد الكعبة ولا نتجه إلى الأحجار بل إنما نتجه من ذلك المسجد الحرام إلى الله ونحن لا نعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنما نطوف حول الكعبة لتجتمع نفوسنا بنفسه الشريفة المقبلة على الله من هذا البيت فنتخذه لنا في صلاتنا إماماً وفي نفوسنا سراجاً منيراً، ونقبل على الله بمعيته وهو لها نِعمَ الإمام وخير رفيق.
فالكعبة إذن: هي الوسيلة في قيام وجهة الأنفس إلى خالقها، قال تعالى: {جعلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قياماً للناس}.
وما حبُّ الديار شغفن قلبي |
ولكن حبُّ من سكن الديار |
وأشرح لك مفصلاً في هذا النسك (طواف القدوم) إن أول ما يفعله المحرم إذا دخل مكة الطواف بالكعبة سبعة أشواط ويبدأ الحاج الطواف من الحجر الأسود فيستقبله ويرفع يديه مكبراً كما يرفعهما في الصلاة ثم يستلم الحجر فيقبله، وبعد ذلك يطوف جاعلاً البيت عن يساره ماشياً رَمَلاً في الأشواط الثلاثة الأولى مضطبعاً بردائه، فإذا أنهى الشوط الأول عاد فالتزم الحجر مقبلاً فإن لم يستطع أشار إليه بكفيه وقبَّلهما وهكذا حتى يتم السبعة أشواط.
المستشرق الغربي: ولكن ما المراد بالهرولة (المشي رملا) وهل هذا موقف عبادة وتذلل، أم غطرسة وإعجاب بالذات و عنفوانٍ وكبر حتى يحرك كتفيه كالمبارز المتبختر بين الصفوف؟
العالم المسلم: ذلك تعبير عن اشتباك نفس الحاج المؤمن بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقباله بمعيته على الله تعالى وسريان الحياة القلبية المترعة بالتجليات الإلهية حتى ازدهت النفس بما رأت وما نالت وانعكس ذلك حبياً على الجسد، فهذا الطائف يقول بلسان حاله: أي ربِّ جئتك أسعى مهرولاً متنازلاً عن كل ما كنت أعتز به من منصب.
ومال متبرئاً من كل ما لصق من قبل بنفسي من إعجاب بالدنيا، مفتخراً بإقبالي عليك طائراً بجسمي وروحي ونفسي إلى رسولك من أمرته باللقاء بي وبالمؤمنين من هذا المكان مكان اللقاء ليعرج صلى الله عليه وسلم بنا إليك، لذا أتيت برسولك معتزاً مستعجلاً مهرولاً.
فالإسلام دين قوة معنوية ربانية، فالوضوء مظهر من مظاهر القوة الجسدية والنشاط وكان قائدنا صلى الله عليه وسلم إذا مشى، مشى كالأسود وكأنه يهبط من علٍ أو يتقلَّع من صخر.
وذلك المعنى الأخير الذي أوردناه إنما يشير إليه هز الكتفين والاضطباع بالرداء وأعني به ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم من جعل الرداء تحت الإبط الأيمن مكشوفاً رأس الكتف وإلقاء الطرف الآخر من الرداء على اليسار فإذا ما طاف جسدك بظاهر الكعبة واستطاعت نفسك أن تخترق الحجارة والبناء وتسري إلى داخله وإذا ما اجتمعت نفسك بنفس رسول الله وعرجت بمعيتها وبصحبتها إلى الله، وصرت ترى نفسك وأنت تتطوف بالبيت بين يدي رب البيت فقد صح طوافك وحصل لك المطلوب من النسك.
وهكذا فلا يتم الإنسان الشوط الثالث وهو بهذا الحال حتى تلج النفس البيت الحرام وهنالك تجتمع كما ذكرنا بسيد العالمين صلى الله عليه وسلم وإمام الرسل الكرام فتقبل معه على الله، تماماً كما كان بنوا إسرائيل يجتمعون بإمامهم موسى وهارون عليهما السلام، وكانت القبلة إذ ذاك بكل بساطة ليست الكعبة البيت الحرام، بل كان يتم اللقاء النفسي بالصلاة بمعيتهما من بيتهما {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصرَ بيوتاً واجعلوا بيوتكم قِبلةً وأقيموا الصلاة وبشِّرِ المؤمنين}.
فكان بنوا إسرائيل يتوجهون إلى إماميهما ليصلوا ويقبلوا بمعيتهما على الله من بيتيهما، فليست العبرة ببناء الكعبة ولا ببيتي سيدنا موسى وهارون، ولكن العبرة للصحبة النفسية مع أي إمام منهما، سيدنا محمد أو سيدنا موسى وهارون عليهم الصلاة و السلام، وتتم الأشواط الأربعة والنفس تتدفق بحياة الإقبال والاعتزاز بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
المستشرق الغربي: ولكن ماذا يفيد الإنسان من تقبيل الحجر الأسود وما الحجر الأسود إلا جمادًٌ وحجر من الأحجار؟ وهل حقاً كما يزعم البعض أن الحجر الأسود حجر من أحجار الجنة؟
العالم المسلم: إن هذا القول الذي يذهب فيه صاحبه إلى أن الحجر الأسود من أحجار الجنة فهو باطل أصلاً إنه يريد أن يلصق الأوهام الباطلة بشرعة الإسلام، إذ ما عساه أن يفعل جماد؟ وما عساه أن يجلبه حجر من خير أم ما عساه أن يرد من شر عن الإنسان؟ أهي عودة لعبادة صنم؟! كلا.
لقد بيَّن لنا صلى الله عليه وسلم المراد من تقبيل الحجر الأسود بقوله: «الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده».
وفي حديث آخر: «الحجر يمين الله تعالى، فمن مسحه فقد بايع الله».
فلن يفرق الحاج بعدها بين أبيض وأسود إلا بالتقوى ولا يرى جمالاً إلا لأهل القلوب فهو يرى بقلبه الحقائق ولن تغره الصور والأهواء والمظاهر الدنيوية.
وهكذا فما الحجر الأسود إلا رمز وما تقبيلك إياه إلا إشارة لارتماء هذه النفس على أعتاب الله وتعبير عن عهد تعاهد عليه الله، تعاهد فيه على الطاعة وانتهاج صراط سوي وسلوك قويم لا تخالطه شائبة، ولا تزعزعه خطوب تمييز عنصري، إذ أضحت هذه النفس المعاهدة الراجعة بالتوبة والإنابة إلى الله أهلاً لأن تخترق خلال طوافها البناء والأحجار وتسري إلى داخل البيت فتجتمع بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقبل بمعيته على الله وبذلك تصل إلى الثمرة المطلوبة من الطواف، بعدها ينتقل الحاج لأداء نسك جديد وهو الصفا والمروة، وهما موضعان مرتفعان يبدأ الإنسان السعي بينهما من الصفا، فإذا بلغ المروة يكون قد أتم شوطاً وهكذا ذهاباً وإياباً حتى يُتم سبعة أشواط.
المستشرق الغربي: إذا كنا قد عرفنا المراد من الإحرام والطواف سبعاً بالبيت الحرام والغاية من تقبيل الحجر الأسود فما المراد يا ترى من السعي بين الصفا والمروة، هل صحيح أن السعي بين الصفا والمروة هو إقتداء بأم إسماعيل أبو العرب عندما تركهما إبراهيم صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان المنقطع فجعلت تبحث عن الماء وتلحق سراباً ذهاباً وإياباً؟
تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، فإذا كانت أم إسماعيل جزعة مروعة خائفة على ابنها فالحجاج ليسوا كذلك؟ فلماذا يركضون، وعلام يبحثون؟
العالم المسلم: أخي الباحث إن مناسك الحج إنما هي سلسلة من أعمال تتدرج بالنفس من حال إلى حال أرقى من سابقه حتى تصل بها إلى الغاية التي أعدت لها.
الحقيقة أن الصفا والمروة رمز لاسمي هذين المكانين، وما أسماء جميع الأماكن التي يمر بها الحاج إلا رموز لحقائق يعرفها من يشعر بها ممن حج البيت حجاًُ حقيقياً، وليست تقليداً أعمى لأم إسماعيل عليها السلام، بل إنها مسيرة ٌ هادفة.
فكلمة (الصفا) تشير إلى ذلك الحال المعنوي الذي يخالط النفس حال وقوفها في ذلك المكان، لقد قادها الطواف إلى الدخول في حضرة الله وانغمست في ذلك الجلال الإلهي فإذا بها تتجه إلى الصفا وقد صفا القلب بإقباله على الله من كل ما سواه فأضحت النفس بقربها من خالقها في صفاء وبحال لا ترى معه غير الله.
فكان الوقوف على الصفا رمزاً لما حصلت عليه النفس وتعبيراًُ عما لازمها من حالٍ عالٍ رفيع. وعندما تشعر النفس بقبول الله لها تهرول ساعية إليه، فما أن تصل للمروة وتقف في ذلك المكان حتى يغمرها حال جديد، إ ذ أصبحت ترى قربها من ذلك الجناب العالي والإله العظيم وهذه الرؤيا إنما هي ثمرة الوقوف بالمروة.
فما رووه عن أمنا هاجر وابنها إسماعيل إنما هو دس لتحويل هدف المسلمين عن الحج والوجهة إلى العظيم جلت عظمته، فليس هناك امرأة جزعة على ابنها ولا سواه، ولا أصل لتلك الحكاية.
ويظل الحاج مقيماً في مكة يطوف ويسعى والنفس ترقى من حال إلى حال أعلى، ومن صفاء إلى صفاءٍ أنقى ليشاهد مشاهداتٍ أعلى من ذي قبل، هكذا يظل شأنه حتى اليوم السابع أو الثامن من ذي الحجة حيث يتأهب للتوجه إلى عرفات.
المستشرق الغربي: أذكر حديثاً روي عن رسولكم «الحج عرفة» فما المقصود بعرفة وكيف الحج عرفة؟ مع أن عرفة جُبيل صغير في ميدان كبير تحفه الجبال فما علاقة الحج كله بجبيل في متاهات جبال وصحاري الجزيرة العربية؟
العالم المسلم: يا أخي الحج رموز ظاهرية مادية لحقائق نفسية معنوية تعبيرية عما يحدث بنفس الحاج من جلائل الأحداث وعظيم النوالات من ذي الجلال والإكرام، والحقيقة أن عرفة ترمز إلى حصول الحاج على المعرفة العلية والعلوم الدنيوية والأخروية السرمدية وبالحديث الشريف: «ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن» والقلب بيت الرب وبالحديث القدسي العلي: «كنت كنزاُ مخفياُ فأحببت أن ُأعرف فخلقت الخلق وعّرفتهم بي فبي عرفوني».
لقد أفاض الله على عبده المؤمن الحاج ما أفاض من جزيل إنعاماته الذوقية والشهودية مع الصحبة النفسية لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم في مسيرة نفس الحاج إلى مقصد المقاصد وشأن الشؤون عظيم الشان قوي البرهان رب كافة الأكوان العظيم الله، كنز الكنوز كلها فعرفه هذا الحاج ونال أقصى المنى بعرفة بعد صحبته النفسية لنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دخل بعرفهْ على الله وعَرَفه.
لقد ذكرنا أن الحجيج يتوجه ا بتداءً من اليوم السابع أو الثامن إلى عرفه ويبيت في منى، وفي ذلك المكان يدعو الحاج ربه قائلاُ: (اللهم هذه منى فامنن علي بما مننت به على أوليائك وأهل طاعتك). ولاسم هذا المكان منى معنىً يعبر عن قرب نيل الحاج أمنياته التي طالما تكبد من أجلها المشاق، فهو يتضرع إلى الله في تلك الليلة ليحقق أمنياته ويكون في عداد الناجحين، إذ ينال ما هو ساعٍ إليه فغداً في عرفه تبيض وجوه وتسود وجوه، غداً يجني الحاج ثمرة أتعابه وما أصعب الانتظار قبل إعلان النتائج ويظل هذا حاله يدعو ويتضرع إلى أن يتنفس الصبح طلباً للمعرفة التي من أجلها ُخلق. وفي اليوم التاسع يقفون بعرفة ولأصواتهم عجيج يسري في الآفاق ويملأ الفضاء وكلهم يقول مخاطباُ صاحب العزة والجبروة مجيبا نداء ذي الملك والملكوت وقد ناداهم ليتفضل عليهم ويسبغ عليهم من إحسانه فيلبون النداء بقولهم: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).
إنه يوم يشبه الحشر والنشر لا فضل فيه لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي اليوم يتفاضل الناس بأعمالهم الطيبة التي قدموها سابقاُ لهذا الشهود العظيم، لا بأنسابهم ولا بألوانهم. هذا اليوم هو نيل الشهادة (شاهدة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) شهوداً قلبياً وفي هذا اليوم يرى الحاج حقائق ما كان ليراها من قبل، ويرى الخير كل الخير فيما كان يأمره الله به، وا لشر كل الشر فيما كان ينهاه عنه. وفي هذا اليوم يرى حقائق أسماء الله الحسنى متجلية على العرش بالإحسان والفضل بالرحمة والكرم والحنان والبهاء.
لقد بذل الإنسان حتى بلغ هذا الموقف أموالا طائلة وتكبد مشاق ومتاعب جسيمة وقضى في هذا السبيل شهورا. بل سنين عديدة وهو اليوم يريد أن ينال ثمرة ما بذل ويظفر بنتيجة ما قام به من أعمال.
فإن كان من الناجحين ستتسامى نفسه عارجة إلى ذلك العالم المعنوي عالم الطهر والقدس وشهود الكمال وتتصّعد ميول النفس وتسمع ويلذّ كثيراً الإقبال على ذي العزة والجلال وما تزال تسمو وتتسامى حتى تبلغ الأوج وتصل إلى الذروة وتصبح أهلا للرؤية.
وهنالك تميط الحضرة الإلهية اللثام لهذه الأنفس المقبلة بمعية رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي أضحت بإقبالها العالي أهلا لرؤية الكمال والجمال الإلهي فترى طرفا متناسبا مع حالها وإقبالها نفحة من النفحات فتصطبغ من الله تعالى بصبغة الكمال فتغدو محبة الحق مدركة الحق من كل أمر من الأمور، وفي كل عمل من الأعمال.
هذا هو اليوم التاسع من ذي الحجة إنه يوم عرفة إنه يوم الحج يوم يجني الحاج ثمرة عمله ولعمري هذا ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديثه إذ بعد هذا اليوم أصبح الحاج بالخلق رؤوفا رحيما ونزل من عرفة وللحكمة ينابيع تتفجر بلا انقطاع في قلبه.
لقد عرف ربه ومن أجل ذلك خلق الكون لقد درس هذا الحاج في مدرسة عليا كان معلمه ومرشده فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوصل إلى هذا المقام العالي من الكمال الإنساني بعرفة وصار أهلا لأن يكون معلما في تلك المدرسة العليا وُيعرّف الناس مما أفاض الله عليه بعرفه لأنه بعرفه عرف كنز الكنوز جل بهاؤه.
وعند الغروب يدفع الحجيج إلى المزدلفة وعليهم السكينة والوقار من هذا الحال العالي الذي غمر نفوسهم وتلك الزلفى التي فازوا بها من خالقهم ويذهبون إلى المزدلفة وقد غمرت أنفسهم موجة عظيمة من الشكر لله على ما منّ به عليهم من الهداية وإلى ذلك أشارت الآية الكريمة في قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}.
ويمتد بهم الوقوف بمزدلفة إلى الإسفار وعندئذ قبيل طلوع الشمس يذهبون إلى منى، وفي منى يرمون جمرة العقبة بعد طلوع الشمس سبع رميات بسبع حصيات كانوا قد حملوها معهم كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم من مزدلفة ويقطعون التلبية عند أول حصاة.
يأخذ أحدهم الحصاة بين السبابة والإبهام من اليد اليمنى ثم يقذف بها إلى موضع الرمي من الجمرة ويكبر بكل حصاة يرميها فيقول: بسم الله الله أكبر رغماً للشيطان وحزبه ورضاءً للرحمن اللهم اجعله حجاُ مبروراًُ وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً.
المستشرق الغربي: آن لي أن أفهم المراد من رمي الحصيات، فهل يقف الشيطان مكبلاً حتى يرجمه الحجاج؟ أي هل ترك الشيطان أماكنه من خمارات وملاهي ليلية وفواحش وكبائر وجيء به إلى هنا ليتلقى ضرب صغار البحصات، وهل هذه البحيصات ستقضي على الشيطان فلا فساد في الأرض بعد هذا الرجم؟
العالم المسلم: في الجواب على هذا السؤال أقول:
لا يظنن امرؤ أن الحاج إنما يرمي الشيطان فالشيطان لا يؤذيه مثل ذلك وما هو ساعتئذ بمحجور هناك وما ذلك الرمي إلا إعلان عن شعور وتعبير عن حال نفسي ونسك يرمز إلى حقيقة تمثلت في نفس هذا الإنسان وإليك بعض التفصيل لهذا النسك:
لقد شهدت نفس هذا الإنسان المستنيرة بنور ربها بما تكرم الله عليها في عرفات ورأت حقيقة الدنيا وما انطوت عليه شهواتها الدنية من أذى وشقاء ولذلك تراه عندما يرمي الحصاة يقول بلسانه الله أكبر ونفسه تقول ما أكبر فضلك علي أيها الرب الكريم لقد هديتني بهداك وتفضلت علي بمعرفتك وشرفت قلبي بحب رسولك ونبيك وأريتني مكائد الشيطان وحزبه وأنا أعلن معاداتي للشيطان وحزبه بما ألقي به من حصيات.
إنه يرمي الحصاة ولسان حال النفس يقول: (هكذا عاديتك أيها الشيطان الرجيم وعاديت كل بعيد عن الله فمالك علي بعد اليوم من سبيل).
ذلك بعض ما ندركه من هذا النسك الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمي الجمار وذلك مما نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم عند الرمي إذ يقول: «بسم الله الله أكبر رغماً للشيطان وحزبه ورضاء للرحمن»... وبهذا الرمي يكون قد تخلص من أكبر عقبة تواجهه في حياته، وهي معاداة الشيطان وذلك نتيجة المعرفة الرفيعة التي نالها في عرفات من الله تعالى والتي بها نال التقوى.
وإذا انتهى الحجاج من الرمي صلوا مع إمامهم في منى صلاة عيد الأضحى وما صلاة العيد في هذا الموطن إلا إعلان عن شكر الإنسان لخالقه على ما منّ به عليه في الحج من عظيم الهداية وسابغ الفضل وبالغ الإحسان والنعمة.
المستشرق الغربي: عفواً، ولمَ سبع حصيات حصراً؟
العالم المسلم: إنها إشارة لإغلاق أبواب جهنم السبعة، إذ إن الحاج غدا إنساناً بصيراً يرى مداخل الشيطان الولوج إلى قلبه من إحداها، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اتقوا السبع الموبقات».
بعد ذلك يذبح الحجاج الأضاحي في منى ومن بعد ذلك يحلقون رؤوسهم لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رمى ثم ذبح ثم دعا بالحلاق ومن بعد الحلق يحل للحاج كل شيء حظر عليه خلال الإحرام كتقليم الظفر ولبس المخيط من الثياب وغير ذلك إلا النساء، ومما يشير إلى ذبح الأضاحي في الحج ما ورد في الآية الكريمة من قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي}.
المستشرق الغربي: ولِمَ الذبح لتلك البهائم في تلك المناطق؟ أليست الأموال أفضل لأهل المنطقة؟
العالم المسلم: يذبح الحجاج الأضاحي في منى، فهي بمثابة قربان لتكتسب النفس ثقة بعملها فيتفضل عليها ربها، قال تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم}.
وكلما كان الهدي أعظم وأغلى ثمناً كانت ثقة النفس بعملها أكبر وكان إقبالها على الله تعالى أكثر وبالتالي كان عطاؤه وتفضله على هذا الإنسان أكبر والناس على درجات، قال تعالى: {ولكل درجات مما عملوا} ولا يجوز قطعاً تغيير هذه الفريضة بإبدال ثمن البدن بالمال لما في ذلك من هدم للحياة الاقتصادية في تلك البقعة، وبالتالي القضاء على فريضة الحج، ولا اجتهاد فيما ورد فيه النص.
قال تعالى: {ومن يعصٍ الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالداً فيها وله عذاب مهين}. ففي تأدية هذا النسك إحياء لأهل تلك البلاد وتشجيع لهم على البقاء في تلك البقعة للقيام بمعونة الحجاج وخدمتهم وفي هذا ما فيه من الإبقاء على فريضة الحج وإقامة هذه العبادة الهامة مدى الدهر، حيث يسيم تجار الأغنام أنعامهم بتلك البقاع الطاهرة رغبة بالكسب بموسم الحج بنسك الهدي، فيتأمن لأهل مكة وما حولها اللحوم والسمن والألبان ومشتقاتها طوال العام مما يمكّنهم من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ويبقون لخدمة الحجاج بموسم الحج، ولو أخذوا أموالا بدلاً من الذبح بموسم الهدي لأخذوا الأموال وغادروا تلك البقاع فأقفرت البلاد القفراء من أهلها ولبطلَ الحج والعبادة.
ونتمّ الآن لك ما يجب أن يفعله الحاج بعد ذبح الهدي في منى فنقول:
إذا انتهى الحاج من الذبح وحلق شعره نزل إلى مكة وطاف طواف الإفاضة بالكعبة سبعاً غير أنه لا يرمل في هذا الطواف.
المستشرق الغربي: ولكن لمَ لا يهرولون ولا يسرعون كما في طواف القدوم؟ لمَ لا يظهرون هذا التذلل والخضوع ثانية بعد أن رأوا طرفاً من جلال وكمال الله العظيم وأزهرت وازدهت نفوسهم وأبدانهم فخراً وعزاً بما ينالون؟
العالم المسلم: إذا عرفنا حال الحاج في طوافه الأول وحاله الآن بعد وقوفه بعرفة ووصوله إلى ما وصل إليه من حال رفيع تدرك السبب في اختلاف الطوافين وأقرب عليك الخطوة فأقول: حال الحاج في طوافه الأول هو تعبير عن اشتباك نفسه بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقباله بمعيته على الله تعالى وسريان الحياة القلبية المترعة بالتجليات الإلهية حتى ازدهت النفس بما رأت وانعكس ذلك حبياً على الجسد، ولذلك تراه يرمل في طوافه ذاك إظهاراً لشوقه لرسوله وللقاء خالقه وتسارعه إلى لقاه ورضاه.
أما وقد تفضل عليه ربه وأناله سؤله لذلك تراه لا يرمل في هذه المرة بل يطوف شاكراً فضل الله تبدو عليه السكينة والوقار اغتباطاً بما نال، ومن ذاق هذه الأحوال عرف سر هذه الأوضاع في كل طواف ويسمى هذا الطواف الثاني طواف الإفاضة أو الزيارة وهو ركن من أركان الحج، وما طواف الإفاضة كما ذكرنا إلا إعلان عن شكر العبد لخالقه، واعتراف بفضله تعالى، وتمسّح بأعتابه وإشعار للنفس بان دخولها في حضرة الله ووقوفها في ذ لك الجناب العالي أضحى ميسوراً لها في كل وقت وحين من بعد أن أفاض تعالى ما أفاض عليها من العلم والمعرفة وبعد أن رأت من الرحمة الإلهية وشهدت ما شهدت من الفضل الإلهي الشامل ففي كل صلاة وإن شئت فقل بمجرد أن يغمض الإنسان جفنه عن هذا العالم وبأقل من لمح البصر تراه يطوي الكون كله ويغدو في حضرة الله ماثلاُ بين يديه مشاهداً كماله فانياً في شهود رحمته وحنانه.
فإذا أتم الحاج هذا الطواف الثاني بالكعبة فقد تم حجه وحصل له التحلل الأكبر فيحل له النساء والصيد وجميع ما كان ممنوعاً من محظورات الإحرام.
وبعد طواف الإفاضة الذي تحدثنا عنه الآن يرجع الحاج من مكة إلى منى ولا يبيت في مكة ولا في الطريق لأن ذلك هو السنة وعلى الحاج أن يقتفي أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل نسك من مناسكه إن أراد لنفسه حجاً صحيحاً، وفي منى يبيت ثلاث ليالٍ مقصراً الرباعية من الصلوات وفي اليوم الأول من أيام التشريق وهو ثاني أيام العيد يذهب بعد الزوال وقبل صلاة الظهر لرمي الجمار الثلاث في ثلاثة مواضع، فإذا كان اليوم الثاني من أيام التشريق وهو ثالث أيام العيد يرمي الحاج الجمار الثلاث كما فعل أمس وهو مخير بين الاكتفاء بالرمي في يومين أو البقاء إلى اليوم الثالث من أيا م التشريق والقيام بالرمي كما فعل في اليومين السابقين.
المستشرق الغربي: طالما أنه رمى بعد نزوله من عرفات، فلِمَ تكرار رمي هذه الجمرات؟
العالم المسلم: ما الرمي هذا إلا تعبير النفس المشاهدة عما عزمت عليه سابقاً من معاداة الشيطان وعدم الالتفات إلى وساوسه، إذ أصبح هذا الحاج التقي لديه من الحجة ما يستطيع أن يرد بها كيد الشيطان، إن إبليس وذريته لم يكن مسلسلا في تلك المناطق الثلاث حتى نرميه بتلك الحصيات وإنما هي رمز أو إشارة لمعاداته.
أما وقد أنهى الحاج من رمي الجمار في أيام التشريق ونفر إلى مكة مع الحجيج فعليه أن يأتي الأبطح وهو مكان بين منى ومكة ويسمى أيضاً بالمخصب وعليه أن ينزل به ساعة لما روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم نزل به ومن بعد ذلك يدخل مكة فيطوف طواف الصدر، وطواف الصدر يكون بسبعة أشواط لا رمَلَ فيها فإذا انتهى من الطواف صلى ركعتين ثم يأتي زمزم فيشرب من مائها ويصب على وجهه ورأسه ثم يأتي الملتزم وهو ما بين باب الكعبة والحجر الأسود فيضع صدره وجبهته عليه ويتشبث بأستار الكعبة ويدعو.
المستشرق الغربي: فما المقصود من وضع الصدر والجبهة على الملتزم ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة، وما الغاية من التشبث بأستار الكعبة الأستار ولا الكعبة؟
العالم المسلم: إنما المقصود الضراعة إلى الله والتشبث بجنابه العالي طلباً لدوام هذا الفضل، فبالصورة الجسدية يتشبث بالأستار وبالحقيقة فإن نفسه تتشبث بدوام الاتصال بحضرة الله وعدم الانقطاع عنه عهداً بنفسه لنفسه طالباً من مولاه جل وعلا أن لا يهتك عن نفسه ستره بأنوار الحبيب الموصل إليه تعالى، وعدم انقطاع هذا الحاج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي به الصلاة الدائمة، أي دوام الالتزام والاتصال بالله بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم مدى الحياة.
المستشرق الغربي: هل ثمة فرق بين النساء والرجال في تلك المناسك والأعمال؟
العالم المسلم: عزيزي المرأة لا يجوز لها أن تذهب إلى الحج إلا إذا كانت مع محرم، أي الذين لا يجوز لهم نكاحها على التأبيد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم».
كما قال صلى الله عليه وسلم: «إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه».
فالمرأة تحرم في وجهها، وفي ذلك إشعار لها بأن تتباعد عن الأنظار خلال حجها كل التباعد، فلا يراها الرجال ولا ترى الرجال البتة، لذا جعل مقياس هذا التباعد أن تصبح في جو تجد فيه من الحرية ما يكفل لها كشف وجهها. وهكذا فالنساء لا يطفن ولا يسعين في الحج مختلطات مع الرجال ولا على مرأى منهم ولكلٍّ دوره في الطواف، وإذا ما مر بهن رجل بالطريق للحج أن َيْسِدلْن نقابهن فقد قالت زوجة رسول الله السيدة عائشة رضي الله عنها: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات فإذا حاذَوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه».
كما أن المرأة لا ترمل في الطواف بالبيت ولا تهرول في السعي بين الصفا والمروة، كما أنها لا تطوف في حال الحيض حتى تطهر وبقية المناسك تؤديها كالمعتاد.
وأخيراً لماذا حث رسولكم على زيارته، فلا يكاد أحد ينهي حجه حتى يزوره إلى ضريحه حيث ووري جسده ولا عمل للجسد فما المقصود منها، أم ماذا يجد الإنسان في زيارته لمفارق للحياة وماذا يجنيه من النفع والفائدة؟
لقد ذكرت لك مكونات الإنسان النفس والروح والجسد، والنفس هي الذات الشاعرة هي عنصر نوراني لا تمتد إليها يد الفناء، فإذا ما فارقت الروح الجسد ومات هذا الإنسان لبست النفس الحال الذي كانت وصلت إليه في الحياة الدنيا ورافقت إمامها في الكعبة إلى الحضرة الإلهية، والرسول صلى الله عليه وسلم عند انتقال جسده الشريف ووري تحت التراب، ولكن نفسه حلقت بجنات الذات الإلهية ومركز انبثاق هذه النفس السامية العلية، إنما يتم من الكعبة شرفها الله برسله الكرام وبالأبرار وشعاع من نور هذه النفس الشريفة يشرف على جسدها الذي كان مطية أعمالها العالية.
فقوله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة، إلا أصحاب اليمين، في جنات يتساءلون}.
وهكذا إذا ذهب الحاج لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم ووقف أمام مقامه الشريف يسِّلم عليه فنفسه صلى الله عليه وسلم تشاهده من الكعبة ومن جناته العلى وتراه وتسمع سلامه، وإذا كان مؤمناً حقاً وممن وصل إلى حال نفسي رفيع استطاع أن يعاين ذلك ويسمع منه صلى الله عليه وسلم نفسياً ردَّ السلام عليه بعد قدوم نفسه الشريفة الطاهرة للقاء من اشتاق لرؤياها.
فنفس المصطفى صلى الله عليه وسلم نورها الساري فيها من الله يضيء عليك إذا اتجهت نحوه عن طريق جسده الشريف، وبمجرد صلتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ترى كمال الله، فالنور المحمدي يضيء عليك أيها الزائر، فبنور نفسك على نور المصطفى صلى الله عليه وسلم ترى الحضرة الإلهية وتهتدي للحق، إذ يختلط شعاع النفس الزائرة بنفس رسول صلى الله عليه وسلم الزكية الطاهرة فتقبل بمعيتها على الله وتعرج بصحبتها، وهذه الصحبة شفاعة ورفقة في الإقبال بمعيته صلى الله عليه وسلم على الله والائتمام به في الوجهة إلى الله، قال صلى الله عليه وسلم: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». فمن طلبك وجب عليك تلبيته، ومن أوفى بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
تبدأ بالحاج منذ زيارته هذه وتمتد به حتى آخر لحظة من لحظاته في هذه الحياة بل تلازمه ولا تفارقه إلى ما بعد الوفاة فما تزال نفسه مرافقة مصاحبة تلك النفس السامية حتى تقف للحساب بين يدي الله.
قال تعالى: {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير}.
تلك هي الغاية من زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحقيقة لا يعرف قدر هذه الزيارة إلا امرؤ آمن بالله حق الإيمان، يتوج حجه بتلك الزيارة العالية ويسمو بنفسه إلى منازل المؤمنين الصادقين.
إن تبيان الكتاب قد أوكل الله أمره إلى رسله الكرام وقد طلب إبراهيم عليه السلام من ربه أن يريه تلك السنن وتلك المناسك كما ورد في القرآن الكريم على لسانه: {وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم}.
لقد رأى إبراهيم صلى الله عليه وسلم بنظرته البعيدة والعميقة ما لهذه المناسك من أهمية وما تنطوي عليه من حكم لأن الإنسان إذا لم يعرف الغاية من العمل الذي يأمره تعالى به أو ينهاه عنه فإنه يسهل عليه أن يستبدل نسكاً بغيره معتقداً أن هذا الاستبدال هو الأصلح، قال تعالى عن لسان سيدنا إبراهيم: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم}.
إذ لا يكفي تعلم الكتاب وحده دون معرفة الحكمة منه، ومن تعلم الكتاب وحكمته فقد أوتي خيراً كثيراً، وكذلك نال سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم أعظم علمٍ وحكمة من الله تعالى، وكل من تعشقت نفسُه نفسَه الشريفة نال من هذا العلم والحكمة على قدر محبته وتقديره لمعلمه الأعظم صلى الله عليه وسلم.
المستشرق الغربي: يا أخي الباحث المسلم بالله عليك أن تعلمني ما الهدف من الحج ككل، أي ماهية التقوى التي ذكرتها لي آنفاً؟
العالم المسلم: التقوى يا أخي هي مشاهدة النفس المقبلة على الله ورؤيتها بذلك النور الإلهي الذي اكتسبته بقلبها منه تعالى بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم فترى به الخير من الشر والحق من الباطل، فالنور الإلهي يكشف للنفس عما في الأمور المحرمة أو المنهيات من شر فتتقيها بعداً عن أذاها وضررها، كما أن ذلك النور الإلهي يكشف أيضاً للنفس عما في الأوامر الإلهية من الخيرات فتسارع إليها رغبة بها فتتقي تركها لما ترى في الترك من الحرمان والخسارة المحدقة، ثم إن التقوى وإن شئت فقل هذه الاستنارة بنور الله على درجات فكلما كانت صلة النفس بربها أعظم وكلما كان إقبالها عليه تعالى أشد وأدوم كان نورها أكثر إضاءة لها وكشفاً وكانت رؤيتها أعظم وضوحاً (وكيف يخطئ من في الضحى يتطلع).
يا أخي مثل التقوى بالنسبة للمؤمن ذي الإقبال العظيم المتواصل على حضرة الله كمثل مصباح بين يديه شديد التوقد مستمر الاشتعال قوي النور والاشعاع في ليلٍ أليل بهيم رهيب يرى به طريقه فيتقي به الوقوع في المهالك ويختار السبيل الواضح الأيسر للنجاة وللخير والسعادة.
المستشرق الغربي: أخي الباحث المسلم: إن ما أسمعه منك عجيب وغريب، ولكنه حق وواقع وعين عيون الحكمة والصواب، فما جاء به عالمنا الكبير العلامة محمد أمين شيخو هو من وحي كتاب الله المقدس (القرآن) لأنه لا خطأ ولا ضلال فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما سواه ظنون واجتهادات غير مبصرة، بل سراب في سراب.
جزاه الله عنا خير الجزاء، فنحن لا نستطيع إيفاءه الشكر على ما أسداه.
والحمد لله رب العالمين
عدد التعليقات الإجمالي: 1
تعليقاتكم |
1. إسلام النصارى
هشام عبد النعيم عبد الرحمن - مصر | 20/11/2009 الساعة 01:51 , توقيت دمشق
إذا لم يكن الإسلام هو الحق فلماذا يدخل الناس الإسلام أفواجاً، فنري سنوياً يسلم ما يجاوز المليون من النصارى، لأن الإسلام هو الدين الحق. وبعدها يرون نور الإسلام {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير} صدق الله العظيم.
|
أضف تعليقك










