موجز عن حياته الشريفة
![]() |
فضيلة العلامة الإنساني الكبير محمد أمين شيخو (قُدّس سرّه) (1308ـ1384) هجري (1890ـ1964) ميلادي |
![]() |
مولده الشريف:
هلَّ هلال بدره في دمشق سنة (1308) هجري، في يوم مبارك لأب دمشقي يمتهن التجارة فأحبه حبّاً عظيماً وهام في جماله وطلعة بدره وطيب حضرته الذكي.
كان في طفولته نشيطاً ذكياً يتفجَّر بالحركة والمرح ليبعث في قلوب من حوله صفاء الحياة وبهجتها، وكلما مضى في نشأته وتطوره يوم كان يبدو عليه المزيد من الذكاء وقوة الشخصية وهذا ما جعل مكانته لدى والديه كبيرة يكرمانه ويرعيانه بكل محبة وعطف وحنان، ولكن ما لبثت يد المنية أن اختطفت ذلك الوالد الحنون وأخذته وهو في سن الشباب بعد أن أنهكه المرض وأعياه الألم.
كان لوفاته أثر كبير في قلب كل من علم الأمر، إذ خلَّف وراءه أرملة وولدين.
لم يكن السيد محمد أمين قد أتم السابعة من عمره بعد، عندما حمل المسؤولية، مسؤولية والدته وحمايتها والدفاع عنها والحفاظ عليها من الشرور التي ظهرت من حول عائلته بعد رحيل والده عن الوجود وسفر أخيه الكبير سليم إلى تركيا.
حتى في يتمه كان متميزاً، وفي صبره على مشاق الحياة والعسر بعد اليسر، وصبره صبراً لا يطيقه الجبابرة من الرجال، وفي كونه فرداً من أفراد العائلة الصغيرة الكريمة التي ألمت بها ظروف صعبة
مرحلة شروق شمس (الشباب) وموجزٌ صغير عن بعض أعماله فيها:
وبسبب نسبه الشريف إلى سلالة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حاز على تقرّب من قبل كبار المسؤولين الأتراك مما مكَّن أسرته أن تقطن بحي ساروجة التي سمُّوها (استانبول الصغيرة) والتي كان يقطنها مسؤولوا الدولة التركية الحاكمة إذ ذاك، ومكَّنه من أن يدرس في الكلية الملكية العثمانية بدمشق (عنبر)، وأنهى دراسته فيها عندما بلغ الثامنة عشر من عمره.
تخرَّج منها برتبة ضابط أمن، بذَّ أصدقاءه وأقرانه بالشجاعة الفائقة وبالأمانة والصدق والاجتهاد والدأب على العمل المتواصل والنبوغ فيه
![]() |
الكلية الملكية العثمانية بدمشق (عنبر)...
منها تخرج الضابط الكبير محمد أمين شيخو |
![]() |
ولقد تولَّى العديد من أقسام الشرطة في مناطق دمشق ومديراً لنواحيها فكان القدوة المثلى، إذ ما يلبث أن يتولَّى قيادتها حتى يعمَّ الأمن ويرفرف فوق منطقة عمله حمام السلام.
لقد كان العين التي لا تنام... والسهم الذي لا يُخطئ في كنانة الدولة، فما كان يعجزها مجرم أو جريمة إلاَّ وتلجأ إليه، ولا يسود الخوف والقتل والفساد والإجرام في منطقة ما إلاَّ وكان الأمل المنقذ فيدرأ الخطر ويحرِّر الرقاب.
وعندما حلَّ الوهن في جسد الدولة التركية وخمدت فيها شعلة الإسلام عمَّ الفساد وامتدت جذور الفوضى في كل أرجاء البلاد وبلغ الإجرام حدّاً لا يُوصف ولا يُطاق حتى صار العيش صعباً والأيام محفوفة بالأخطار والليل بهيماً ومرعباً إلاَّ في دمشق وريفها وضواحيها، حيث كانت عينه الساهرة ترعى الأمن وقلبه الرحيم يكرِّس السلام.
وبعمله وشجاعته وإقدامه واجه أعاصير المجرمين وأحاط بالكثير من العصابات وقبض على كبارها وزعمائها، فتوّجت أعماله كلها بالنصر والتأييد حتى لُقِّب (بأصلان) أي: الأسد لِما عُرِف من بسالته وعدم مهابته للصعاب، فكان باعتماده على ربِّه رجل الأمن الوحيد الذي وقف في وجه الظلم والإرهاب، حتى وصل الأمر أن المجرمين والسارقين كانوا يلجؤون إليه ويأتون إليه خوفاً من بطشته والتماساً لعدله ورحمته ورضاه.
الضابط الإنساني الكبير محمد أمين شيخو لُقب (بأصلان)، وأصلان كلمة تركية تعني: (الأسد) حاز هذا اللقب نظراً لبسالته وشجاعته وبطولاته العظيمة التي لم يدانه بها إنسان... فهو لم يخش أحداً إلا الله |
![]() |
وهكذا تدرَّج في المناصب وتنقَّل بين الأقسام إلى أن عُيِّن مديراً لقلعة دمشق بما فيها المستودعات والسجون، وبقي فيها ردحاً من الزمن قدَّم أثناءه من روائع البطولات والأمجاد ما لم ترَ الشام مثيله إلى الآن.
فخلال هذه الفترة جازف الضابط الإنساني محمد أمين شيخو بإطلاق سراح آلاف المحكوم عليهم بالإعدام وزجَّهم في الصفوف الأمامية للدفاع عن البلاد ضد العدو الكافر.
![]() |
صورة قديمة وأخرى حديثة لقلعة دمشق الشهيرة |
![]() |
وكان السبب في إزالة أعواد المشانق من البلاد التي زرعها جمال باشا السفاح تعسُّفاً في أسواق البلاد وأحيائها والتي كانت تبتلع كل يوم المئات من أبناء الشعب. وكم تعرَّض في سبيل ذلك إلى الموت مرات ومرات فأنجاه الله بعظمته ورحمته ونصرته.
![]() |
تمكن الضابط الإنساني محمد أمين شيخو باعتماده على ربه وصدقه من إزالة جميع المشانق التي زرعها جمال باشا السفاح في البلاد ظلماً وجوراً |
![]() |
وفي عهد فرنسا وبما أنه ضابط أمن مدني أُعيد إلى تسنُّم منصبه كمدير ناحية أو رئيس قسم، وحين اندلعت الثورة السورية الكبرى كان بحبه لربِّه ورغبته النبيلة في خدمة وطنه العضد والساعد للثوَّار، وشريانها الأبهر، فكان خاتمها بيده أميناً عليه. فأقضَّ مضاجع الفرنسيين بمحاولاته الرهيبة لقلب الهزيمة نصراً مسلِّماً الثوَّار أكبر صفقة من الأسلحة مصدَّرة من فرنسا إلى بلاد الشام، ولما قام بتسليم هذه الأسلحة التي كان الفرنسيون يضعونها في مخازن قلعة عنجر في لبنان إلى الثوَّار ليلاً طاش صواب الجنرال (كاترو) فأصدر القرار بإع دام السيد محمد أمين. ولكن الله العلي نجَّاه ومعاونه بكلماته التامات وانقلب لديهم مكيناً أميناً (على ظنِّهم الخاطئ).
![]() |
أصدر الجنرال الفرنسي كاترو قراراً بحكم الإعدام على ضابطنا الأمين بسبب تسليمه صفقة من الأسلحة الفرنسية للثوار... ولكن العلي القدير نجاه |
![]() |
مرحلة الإرشاد والدعوة إلى الله:
لزم الشيخ أمين كفتارو قرابة إحدى وعشرين سنة وتفانى في خدمته والإخلاص له والدفاع عنه، وفي الأربعين من عمره الغالي فتح الله عليه من علمه فبدأ بتلاوة سورة الفاتحة شهوداً، فأضحى يمدُّ شيخه بالعلوم الربَّانية العليا بشهادة شيخه، فضلاً عن مساعدته إيَّاه من جاهه وماله.
وعندما وافت المنية الشيخ أمين كفتارو حزن عليه كثيراً وتأثَّر لوفاته، فلقد كان خيراً عميماً يجري على يد ذلك الشيخ الطيب، ولم ينسَ لحظات الصفاء التي جمعتهما والتي كانت سبباً ليسلك سُـبُل الهداية والدعوة إلى الله وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يحيد. وبعد وفاته خلفه في تسليك المريدين فحمل لواء الإرشاد بكل قوة وجدارة.
يُدعى العلامة الإنساني محمد أمين شيخو (أمين بك)، وكلمة (بك) أصلها تركي وهي تعني: (الطاهر).
كان يرتاد مجالسه زهرة شباب الشام ولبنان والعراق طالبين الري من ينبوعه المحمدي الثري المعطاء لِما فيها من جو المهابة والجلال والقدسية.
إذا المكارم في آفاقنا ذكرت |
فإنما بك فينا يُضرب المثل |
لمحة سريعة عن دعوته (قدّس سرّه) إلى الله وبيانه ودلالته العظيمة:
تميَّزت مجالسه القدسية بروعة البيان وتفرّده وكمال المعنى ووضوحه وحضور الحقيقة وكمالها، فكانت كلماته تقع في نقطة الهدف وتكون في قلوب السامعين برداً وسلاماً ونوراً يأخذ بألبابهم تطير بنفوسهم إلى عليين.
بدَّد الظلمة ومزَّق التناقضات وقضى قضاءً مبرماً على مدارس الدسوس والجدل العقيم الذي أقام في عقول الناس فجوة كبرى بينهم وبين ربِّهم، فعرَّف الناس حقيقة الإله وكمال صفاته... ربّاً رحيماً حكيماً عادلاً منْعِماً متفضِّلاً يستحق العبادة لذاته وكونه صاحب الجمال والكمال، فهو الذي لا يُحمد على مكروه سواه لِما يعود على المرء بالشفاء والعطاء، وهو الغني عن العباد وعن ولائنا له وطاعتنا إيّاه، فنحن نحتاج إلى الدخول عليه في حصن الإيمان النوراني فنتَّقي به كل مكروه وسوء.
لقد كان سفر حياته الشريفة ترجمةً عالية ودستوراً واضحاً لما أتى به من بيان مُذهل تنطوي فيه حقائق مدهشة صاعقة تدير الرؤوس وتحني الجباه، فكانت الحقيقة نوراً والصورة برهاناً وكان المثل والتطبيق العملي الصحيح عنواناً... بيان قد عجزت عن مثيله وإلى الآن حضارات العالم وقوانين الدنيا الوضعية...
لِمَ خُلِقنا؟ ولِمَ هذا الكون العظيم، ما فائدة طقوس الدين؟
لِمَ الجوع فالأكل برمضان؟ ما مردود وفائدة الصلاة؟
لِمَ الحج في صحارٍ، لا ماء فيها ولا شجر؟
لِمَ وجدنا؟ وأين كنّا؟ لِمَ الموت وماذا حقّاً بعده؟
ما هي النفس؟ ما هي الروح؟ وما العقل؟
ماهية الجنَّة؟ ماهية جهنم؟
القضاء والقدر؟ عالَم الأزل؟
حقائق وأسئلة غابت عن أذهان الناس، إذ انشغلوا بالدنيا وزخرفها ونسوا أن يبحثوا في ملفات الوجود ويتعرَّفوا على أسراره.
حتى لقد قال فيه عالِم العصر الإنكليزي الشهير السير (جون بينت) قول حق إبان اجتماعه بعلماء الغرب: (إن كل ما توصَّلنا إليه من علوم لا يعدل بحر ذلك العالِم الكبير في الشرق).
من هو السير بينت؟ |
![]() |
كان عمراً غالياً ثميناً قضاه هذا الإنسان الطاهر بالجهاد والرغبة في التقرُّب من الله... وبهذا القرب نال ما نال من درجات وكمال، وحقَّق ما حقَّق من أمجاد وأعمال مشحونة بالجهاد الإنساني المقدَّس، وبالتضحيات الإنسانية الكبرى... حتى كانت حياته مثلاً أعلى لسلوكٍ أسمى من أجل نصرة الحق ببطولات لا مثيل لها هزمت الباطل وجعلته زهوقاً.
لقد رهن حياته الثمينة بأجمعها لخدمة أخيه الإنسان... يُسابق عجلة الأيام في جريها ويُضاهي الشمس بنورها. وقد تحوَّل على يديه ليل الشام إلى نهار لما يسطع عليها من أنوار أعماله وبركات تضحياته حتى كان يواصل الليل بالنهار متجاوزاً عن راحته ولو لم يطرق النوم له جفناً عدة ليال متواليات باستثناء غفوات وهو يحاول ويُجاهد في سبيل إنقاذ أخيه الإنسان من مستنقعات الحزن والآلام غير مبالٍ بما يعترضه من أخطار الموت أو الإعدام ولا بما يتكبده في سبيل الله من مال أو تنازلات. وكثيراً ما كان يبقى خاوي الوفاض على الرغم من سابق غناه المادي.
وهنا فلا غرابة ولا غرور أن يفتح الله تعالى عليه بليلة مباركة ذلك الفتح المبين، حتى يُشاهد ملكوت الإله ويعرج بنفسه في تلك العوالم القدسية العليّة المحمَّدية، التي هيَّأ الله له والتي حصل عليها بصدقه العظيم ومجهوده وتضحياته الإنسانية الكبرى...كذلك فكل من جاهد لأجلها وصدق في حبِّه وطلبه لله وللرسول صلى الله عليه وسلم فالباب مفتوح له ولكل سالك مريد صادق.
التحاقه بالرفيق الأعلى:
وعلى هذا المنوال الرائع قضى حياته الغالية الزاخرة بالمعرفة بالله التي لا يطمئن القلب إلاَّ بها ولا تسعد البشرية إلاَّ إذا حصلت عليها... فكان السراج الذي يُضيء للأجيال طريقها إلى السعادة بكتاب ،الله والنبراس الذي يهدي البشرية إلى ما تصبو إليه من الكمال والسعادة والفضيلة والحياة الطيبة من الله إلى أن التحق بالرفيق الأعلى في غرَّة شهر ربيع الآخر عام (1384) هجري، الموافق (1964) ميلادي، ووُري جثمانه الطاهر الشريف بمقبرة (نبي الله ذي الكفل) في حي الصالحية بدمشق.
{ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} سورة فصلت (33).
للاطلاع على بعض التقارير والثناءات التي حازها الضابط الإنساني محمد أمين شيخو أثناء خدمته العسكرية |
|||
(1) |
(2) |
(3) |
(4) |
الملفات المرفقة
| الملف | نوع الملف | الحجم |
| avi | |||
| avi | 49.16 MB | ||


























