الرئيسية
» حقيقة سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم) تظهر في القرن العشرين
» حادثة شق صدر النبي... ما حقيقتها؟ ما بعد شق الصدر إلا الموت!
حادثة شق صدر النبي... ما حقيقتها؟ ما بعد شق الصدر إلا الموت!
(حوار بين عالم مسلم ومستشرق غربي)
ـ المستشرق الغربي: أيها العالم الفاضل من الزائد، بل الممل أن تتصدى للرد على جميع النقاط التي فيها غلو ومبالغات في حق محمد، ولولا أن حادثة شق الصدر لها مكانتها في هذا الصدد لما سألت عنها لأن ما أوردت لي من أمثلة وردود لا يصعب على من وهبه الله نظراً نافذاً وفكراً صحيحاً أن يدقق في كل ما يسمعه من هذا القبيل فيرد ما لا يرضى به العلم وينقض كل مالا يوفق عليه العقل السليم.
والحادثة أريد ذكرها لكم فمنكم نستفيد لأنكم تنهلون من بحر العلامة العظيم محمد أمين شيخو... ولعلي أفيد من كان بالخطأ مثلي.
ـ العالم المسلم: تفضل يا أخي الكريم فذكره صلى الله عليه وسلم روح لأنفسنا ولا ملل وضجر، بل علم للفكر وحياة للقلب.
ـ المستشرق الغربي: حادثة شق الصدر كما وردت بكتب السيرة تتلخص بأن الرسول محمداً لما عادت به مرضعته السيدة حليمة السعدية ثانية إلى البادية ولما بلغ الثالثة من عمره. كان يوماً مع أخيه بالرضاع في بهم لهم خلف بيوتهم إذ عاد أخوه الطفل السعدي يعدو ويقول: ذلك أخي القرشي قد أخذه رجلان عيهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه. ويروى عن حليمة أنها قالت عن نفسها وزوجها... فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائماً ممتقعاً وجهه فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا له ما لك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عيهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا شيئاً فأخذاه وطرحاه ولا أدري ما هو. وحليمة بعد هذه الحادثة ردته إلى أمه على الفور... فما قولكم يا أخي؟
ـ العالم المسلم: عزيزي... إذا رجعت إلى عنوان هذه القصة في كتب السيرة وجدته يشير إلى شق الصدر وإذا ذهبت تدقق في صيغة اللفظ الوارد فيها، وحيث أن الشق إنما وقع على البطن فالطفل السعدي يقول: فأضجعاه فشقا بطنه، فيروي الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه كما يقولون: فأضجعاني فشقا بطني وعلى هذا يجب أن تسمى الحادثة شق البطن لا الصدر. وإذا كان المراد من شق البطن إخراج حظ الشيطان كما جاء في بعض الروايات، فالتعبير بكلمة (شقا بطني) فيه خطأ كبير لأن موضع وسوسة الشيطان هو الصدر حيث النفس التي يتولد فيها الحقد والحسد وسائر العلل المعنوية أما البطن فموضع الطعام والشراب وهو يشتمل على الأحشاء التي تعمل في هضم الطعام. وقد أشار تعالى إلى موضع النفس من الإنسان إنما هو الصدر في مواطن عديدة من القرآن الكريم فقال تعالى في سورة المائدة (7): {إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، وذات الصدور إنما هي النفس.
ـ كما أشار تعالى إلى أن الوسوسة إنما تكون في الصدر حيث النفس المستقرة فيه فقال تعالى في سورة الناس: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}.
وهكذا فالتصديق بحادثة شق البطن فيه خروج عن الصواب وتناقض تام وعدم التمييز بين البطن مستقر الأحشاء وموضع الطعام والشراب، وبين الصدر مستقر النفس التي تنشأ فيها العلل المعنوية كالغل والحسد.
وبما أن معرفة هذه الفروق لا تخفى على أبسط الناس علماً وأدناهم معرفة ففيها الضلال البيّن وعدم التقدير لرسول الله صلى الله عليه وسلم نسبة هذه الأقوال الخاطئة له... إذاً فهذه القصة لا أصل لها ويشهد العلم ببطلانها وتشهد معرفة رسول الله العالية بكذبها وافترائها عليه.
ـ المستشرق الغربي: عفواً... لقد ورد ببعض الروايات أن الحادثة تختلف عما سبق وذكرت لكم... فجاءت بأن الملكين شقا قلب رسول الله وطرحا منه علقة سوداء أو أخرجا منه الغل والحسد وأدخلا فيه الرأفة والحنان... فما الرأي بهذه الروايات المتضاربة؟
ـ العالم المسلم: هل يعنون بذلك أن الغل والحسد موضعها هذا القلب المادي المركب من اللحم والمعلق في الصدر بواسطة الشرايين والأوردة؟
الغل والحسد إنما هي أعراض وأمراض نفسية، وحيث أن موضع هذه العلل تلك النفس المعنوية لا ذلك القلب المادي فالقول بأن الملكين شقا قلب الرسول وأخرجا منه الغل والحسد مردود أيضاً... فليسألوا الأطباء إن كانوا لا يعلمون، فهذا اختصاص طبي.
ثم إن في هذه القصة طعن بالرحمة والعدالة الإلهية فهي تستند إلى أن الملكين شقا قلب الرسول وأخرجا منه علقة سوداء هي حظ الشيطان من الرسول وإلى أنهما طرحا الغل والحسد فيا ترى من الذي خلق هذه العلقة السوداء والغل والحسد في قلب الإنسان حتى جاء الملكان وشقا قلب الرسول وطرحا العلقة والغل والحسد؟ فإن نحن قلنا أن هذه الأشياء وجدت من تلقاء نفسها فهذا مردود إذ ما من موجود إلا وله موجد... وإن نحن قلنا اكتسبهما ذلك الإنسان منذ طفولته فهذا أيضاً مردود لأن الطفل الصغير ما يزال نقي النفس بريء القلب طاهراً من كل دنس نفسي.
ولم يبق لدينا إلا أن نقول أن الله تعالى هو الذي خلق العلقة وأوجد الغل والحسد في القلب وهذا أيضاً مردود لأنه يتنافى مع الرحمة الإلهية لأنه إن ثبت أن الله تعالى خلق علقة سوداء في الإنسان وجعلها سبباً في تسلط الشيطان عليه ثم طلب منه بعد ذلك أن يخلص نفسه من الشيطان وفي ذلك ما فيه من الشدة والحرج، والتكليف فوق الطاقة والإمكان وكان الأولى بأن لا يخلق هذه العلقة ويجعل الإنسان في نجوه من كل هذه المزعجات، وهو يتنافى مع العدالة الإلهية أيضاً لأنه يقرر أن الله تعالى أخرج حظ الشيطان من قلب الرسول بأن أرسل له ملكين كما ورد في القصة.
ـ فيا ترى إذا كان الله تعالى خص الرسول بذلك وأبقى سائر القلوب على حظ الشيطان والغل والحسد أفلا يعترض هذا الإنسان يوم القيامة بين يدي ربه فيقول: يا رب هذا رسولك طهّرت له قلبه وأخرجت منه حظ الشيطان فكان على ما كان عليه من الصفة العالية ولو أنك طهّرت لي قلبي وأخرجت لي منه ما أخرجته من قلب رسولك لكنت طاهراً طيباً ولما وقعت في معصية من معاصيك وبما أن الله تعالى رحيم عادل يخرج كل إنسان طاهراً نقياً إلى الدنيا ويشير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في قوله (كل مولود يولد على الفطرة). فلا غل ولا حقد في الأطفال وحتى سن البلوغ، فالقصة مختلقة لا أساس لها. وتقضي عدالته بأن لا يميز بين إنسان وإنسان إلا بحسب سعيه وكسبه فهذه القصة على سائر رواياتها باطلة ولله الحجة البالغة.
وأخيراً إذا كان الله تعالى كما يقولون هو الذي طهر قلب رسوله وأخرج حظ الشيطان منه فما فضل الرسول وما ميزته على غيره ما دام لم يبذل مجهوداً في هذا السبيل؟
ـ المستشرق الغربي: هل من مثال للاستزادة من هذه الإفاضة السامية؟
ـ العالم المسلم: هب أن معلماً طرح بعض الأسئلة على طلابه ثم جاء وجعل يلقن بعض طلابه الأجوبة الصحيحة حتى تفوق على الآخرين فكان السابق الأسبق. فما تقول في حق هذا المعلم؟ ألا يعد ذلك محاباة منه وخروجاً عن العدالة؟ وماذا تقول في حق هذا التلميذ، هل له فضل وميزة على غيره؟ وإذاً فلا صحة لكل ما يروى من هذا القبيل وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
ـ المستشرق الغربي: بقيت نقطة واحدة تواردها الكثير من الرواة إن لم يكونوا بجمعهم بقضية حصار قريش للرسول ولبني هاشم ومقاطعتهم له حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته كانوا يأكلون ورق الشجر والرسول يربط حجراً على بطنه في تلك الفترة.
ـ العالم المسلم: لا صحة لذلك لأن الطعام عامله فيزيولوجي داخلي يتطلبه الجسم لنقص في مواد يحتاج إليها، فإذا كان الإنسان جائعاً لو وضع صخور مكة على بطنه لما سد جوعه!
وقد أشار القرآن الكريم إلى موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه وأمره الله تعالى أن يبين للناس ما استقر في نفسه من إيمان فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} سورة الأعراف (195).
فكيف أمكن له وهو واحد أن يواجه أمة ويتحداها ويسفه أحلامها الخبيثة بآلهتها من الأصنام بالهزئ من سخافتهم بنسب الألوهية لمن لا أعين ولا أسماع ولا أبصار ولا أيد لها بقوله: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}.
ثم لما قاموا بالوقوف ضده هدهم هداً ووقف تجاههم وقوف سيد الأبطال يتحداهم كما بالآية: {ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} فعجزوا وجبنوا ولم يستطع أحد منهم أن يمسه أو يلمسه لمساً بسوء، والله الخالق العظيم تعهّد بحفظه من الناس بقوله تعالى في سورة المائدة (67): {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، بل خارت عزائمهم وانحلت قواهم وأصابهم الجبن فانعقدت ألسنتهم وهم وهو صلى الله عليه وسلم وجهاً لوجه فلما رأوا عجزهم وجبنهم وخيبتهم وضعفهم واستكانتهم أمام هذا الجبل البشري الشامخ العظيم أتم حديثه الشريف معهم مبيناً لهم الجانب العظيم المنيع الذي أمده بما أرهب قلوبهم بقوله: {إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ}... فهو الذي أيدني ودعمني وقواني وأنطقني {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}: فاسلكوا سبل الهداية لتصبحوا صالحين فيؤيدكم ويدعمكم ضد الباطل وأهله... وهذا موقف يشهد الله به لرسوله وحيداً تجاه قومه الصناديد، فكيف يتقولون زوراً بأن قريش حاصرته وأذلته "أذلهم الله ما أكبر بهتانهم" ومعه صحابته الذين كانوا مراراً يطلبون من سيدهم رسول الله أن ينقضوا على المشركين بمكة فلا يبقوا لهم أثراً فيجيبهم الرحيم صلى الله عليه وسلم: «أنتم قليل» لأنه صلى الله عليه وسلم رحمة لقريش وللعالمين قاطبة، فهو لا يريد انتصاراً دنيوياً دموياً قائماً على القتل والسحق، بل يأمل ويخطط لإيمانهم المستقبلي لكيلا يموتوا على الكفر فالنار، بل يأمل أن يتوفوا على الإيمان فالجنات وهكذا بالنتيجة كان.
فهم بهذه الرواية المسخ الباطلة يقولون أن الرسول وصحابته "الذين هدوا جيوش العالم هدا" حوصروا وذلّوا حتى أكلوا ورق الشجر، بل العكس صحيح كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} سورة المنافقون (8).
وكما قال البوصيري:
ـ المستشرق الغربي: الحمد لله الذي جمعني بك وأرشدني السبيل القويم وبيان العصمة العظمى الحقيقية للرسول محمد وأسمعني التأويل الصحيح لآيات ضلّ عنها الكثير من الناس وغفل عنها غافلون وهي في متناول اليد فاتخذوا دينهم من كتب وسير مخالفة لكتاب الله واعتمدوا وضلوا بها وأضلوا ضلالاً بعيداً.
ـ العالم المسلم: نحن المسلمون إن سمعنا كلام غير الله لن يفيدنا شيئاً، بل سيعود علينا آباؤنا وإخواننا وأئمة اتخذوا غير كتاب الله لهم سنداً اتبعناهم، سيكونون لنا أعداء يوم القيامة وينكرون إتباعنا لهم.
ـ المستشرق الغربي: أيها العالم الفاضل من الزائد، بل الممل أن تتصدى للرد على جميع النقاط التي فيها غلو ومبالغات في حق محمد، ولولا أن حادثة شق الصدر لها مكانتها في هذا الصدد لما سألت عنها لأن ما أوردت لي من أمثلة وردود لا يصعب على من وهبه الله نظراً نافذاً وفكراً صحيحاً أن يدقق في كل ما يسمعه من هذا القبيل فيرد ما لا يرضى به العلم وينقض كل مالا يوفق عليه العقل السليم.
والحادثة أريد ذكرها لكم فمنكم نستفيد لأنكم تنهلون من بحر العلامة العظيم محمد أمين شيخو... ولعلي أفيد من كان بالخطأ مثلي.
ـ العالم المسلم: تفضل يا أخي الكريم فذكره صلى الله عليه وسلم روح لأنفسنا ولا ملل وضجر، بل علم للفكر وحياة للقلب.
ـ المستشرق الغربي: حادثة شق الصدر كما وردت بكتب السيرة تتلخص بأن الرسول محمداً لما عادت به مرضعته السيدة حليمة السعدية ثانية إلى البادية ولما بلغ الثالثة من عمره. كان يوماً مع أخيه بالرضاع في بهم لهم خلف بيوتهم إذ عاد أخوه الطفل السعدي يعدو ويقول: ذلك أخي القرشي قد أخذه رجلان عيهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه. ويروى عن حليمة أنها قالت عن نفسها وزوجها... فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائماً ممتقعاً وجهه فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا له ما لك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عيهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا شيئاً فأخذاه وطرحاه ولا أدري ما هو. وحليمة بعد هذه الحادثة ردته إلى أمه على الفور... فما قولكم يا أخي؟
ـ العالم المسلم: عزيزي... إذا رجعت إلى عنوان هذه القصة في كتب السيرة وجدته يشير إلى شق الصدر وإذا ذهبت تدقق في صيغة اللفظ الوارد فيها، وحيث أن الشق إنما وقع على البطن فالطفل السعدي يقول: فأضجعاه فشقا بطنه، فيروي الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه كما يقولون: فأضجعاني فشقا بطني وعلى هذا يجب أن تسمى الحادثة شق البطن لا الصدر. وإذا كان المراد من شق البطن إخراج حظ الشيطان كما جاء في بعض الروايات، فالتعبير بكلمة (شقا بطني) فيه خطأ كبير لأن موضع وسوسة الشيطان هو الصدر حيث النفس التي يتولد فيها الحقد والحسد وسائر العلل المعنوية أما البطن فموضع الطعام والشراب وهو يشتمل على الأحشاء التي تعمل في هضم الطعام. وقد أشار تعالى إلى موضع النفس من الإنسان إنما هو الصدر في مواطن عديدة من القرآن الكريم فقال تعالى في سورة المائدة (7): {إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، وذات الصدور إنما هي النفس.
ـ كما أشار تعالى إلى أن الوسوسة إنما تكون في الصدر حيث النفس المستقرة فيه فقال تعالى في سورة الناس: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}.
وهكذا فالتصديق بحادثة شق البطن فيه خروج عن الصواب وتناقض تام وعدم التمييز بين البطن مستقر الأحشاء وموضع الطعام والشراب، وبين الصدر مستقر النفس التي تنشأ فيها العلل المعنوية كالغل والحسد.
وبما أن معرفة هذه الفروق لا تخفى على أبسط الناس علماً وأدناهم معرفة ففيها الضلال البيّن وعدم التقدير لرسول الله صلى الله عليه وسلم نسبة هذه الأقوال الخاطئة له... إذاً فهذه القصة لا أصل لها ويشهد العلم ببطلانها وتشهد معرفة رسول الله العالية بكذبها وافترائها عليه.
ـ المستشرق الغربي: عفواً... لقد ورد ببعض الروايات أن الحادثة تختلف عما سبق وذكرت لكم... فجاءت بأن الملكين شقا قلب رسول الله وطرحا منه علقة سوداء أو أخرجا منه الغل والحسد وأدخلا فيه الرأفة والحنان... فما الرأي بهذه الروايات المتضاربة؟
ـ العالم المسلم: هل يعنون بذلك أن الغل والحسد موضعها هذا القلب المادي المركب من اللحم والمعلق في الصدر بواسطة الشرايين والأوردة؟
الغل والحسد إنما هي أعراض وأمراض نفسية، وحيث أن موضع هذه العلل تلك النفس المعنوية لا ذلك القلب المادي فالقول بأن الملكين شقا قلب الرسول وأخرجا منه الغل والحسد مردود أيضاً... فليسألوا الأطباء إن كانوا لا يعلمون، فهذا اختصاص طبي.
ثم إن في هذه القصة طعن بالرحمة والعدالة الإلهية فهي تستند إلى أن الملكين شقا قلب الرسول وأخرجا منه علقة سوداء هي حظ الشيطان من الرسول وإلى أنهما طرحا الغل والحسد فيا ترى من الذي خلق هذه العلقة السوداء والغل والحسد في قلب الإنسان حتى جاء الملكان وشقا قلب الرسول وطرحا العلقة والغل والحسد؟ فإن نحن قلنا أن هذه الأشياء وجدت من تلقاء نفسها فهذا مردود إذ ما من موجود إلا وله موجد... وإن نحن قلنا اكتسبهما ذلك الإنسان منذ طفولته فهذا أيضاً مردود لأن الطفل الصغير ما يزال نقي النفس بريء القلب طاهراً من كل دنس نفسي.
ولم يبق لدينا إلا أن نقول أن الله تعالى هو الذي خلق العلقة وأوجد الغل والحسد في القلب وهذا أيضاً مردود لأنه يتنافى مع الرحمة الإلهية لأنه إن ثبت أن الله تعالى خلق علقة سوداء في الإنسان وجعلها سبباً في تسلط الشيطان عليه ثم طلب منه بعد ذلك أن يخلص نفسه من الشيطان وفي ذلك ما فيه من الشدة والحرج، والتكليف فوق الطاقة والإمكان وكان الأولى بأن لا يخلق هذه العلقة ويجعل الإنسان في نجوه من كل هذه المزعجات، وهو يتنافى مع العدالة الإلهية أيضاً لأنه يقرر أن الله تعالى أخرج حظ الشيطان من قلب الرسول بأن أرسل له ملكين كما ورد في القصة.
ـ فيا ترى إذا كان الله تعالى خص الرسول بذلك وأبقى سائر القلوب على حظ الشيطان والغل والحسد أفلا يعترض هذا الإنسان يوم القيامة بين يدي ربه فيقول: يا رب هذا رسولك طهّرت له قلبه وأخرجت منه حظ الشيطان فكان على ما كان عليه من الصفة العالية ولو أنك طهّرت لي قلبي وأخرجت لي منه ما أخرجته من قلب رسولك لكنت طاهراً طيباً ولما وقعت في معصية من معاصيك وبما أن الله تعالى رحيم عادل يخرج كل إنسان طاهراً نقياً إلى الدنيا ويشير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في قوله (كل مولود يولد على الفطرة). فلا غل ولا حقد في الأطفال وحتى سن البلوغ، فالقصة مختلقة لا أساس لها. وتقضي عدالته بأن لا يميز بين إنسان وإنسان إلا بحسب سعيه وكسبه فهذه القصة على سائر رواياتها باطلة ولله الحجة البالغة.
وأخيراً إذا كان الله تعالى كما يقولون هو الذي طهر قلب رسوله وأخرج حظ الشيطان منه فما فضل الرسول وما ميزته على غيره ما دام لم يبذل مجهوداً في هذا السبيل؟
ـ المستشرق الغربي: هل من مثال للاستزادة من هذه الإفاضة السامية؟
ـ العالم المسلم: هب أن معلماً طرح بعض الأسئلة على طلابه ثم جاء وجعل يلقن بعض طلابه الأجوبة الصحيحة حتى تفوق على الآخرين فكان السابق الأسبق. فما تقول في حق هذا المعلم؟ ألا يعد ذلك محاباة منه وخروجاً عن العدالة؟ وماذا تقول في حق هذا التلميذ، هل له فضل وميزة على غيره؟ وإذاً فلا صحة لكل ما يروى من هذا القبيل وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
ـ المستشرق الغربي: بقيت نقطة واحدة تواردها الكثير من الرواة إن لم يكونوا بجمعهم بقضية حصار قريش للرسول ولبني هاشم ومقاطعتهم له حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته كانوا يأكلون ورق الشجر والرسول يربط حجراً على بطنه في تلك الفترة.
ـ العالم المسلم: لا صحة لذلك لأن الطعام عامله فيزيولوجي داخلي يتطلبه الجسم لنقص في مواد يحتاج إليها، فإذا كان الإنسان جائعاً لو وضع صخور مكة على بطنه لما سد جوعه!
وقد أشار القرآن الكريم إلى موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه وأمره الله تعالى أن يبين للناس ما استقر في نفسه من إيمان فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} سورة الأعراف (195).
فكيف أمكن له وهو واحد أن يواجه أمة ويتحداها ويسفه أحلامها الخبيثة بآلهتها من الأصنام بالهزئ من سخافتهم بنسب الألوهية لمن لا أعين ولا أسماع ولا أبصار ولا أيد لها بقوله: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}.
ثم لما قاموا بالوقوف ضده هدهم هداً ووقف تجاههم وقوف سيد الأبطال يتحداهم كما بالآية: {ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} فعجزوا وجبنوا ولم يستطع أحد منهم أن يمسه أو يلمسه لمساً بسوء، والله الخالق العظيم تعهّد بحفظه من الناس بقوله تعالى في سورة المائدة (67): {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، بل خارت عزائمهم وانحلت قواهم وأصابهم الجبن فانعقدت ألسنتهم وهم وهو صلى الله عليه وسلم وجهاً لوجه فلما رأوا عجزهم وجبنهم وخيبتهم وضعفهم واستكانتهم أمام هذا الجبل البشري الشامخ العظيم أتم حديثه الشريف معهم مبيناً لهم الجانب العظيم المنيع الذي أمده بما أرهب قلوبهم بقوله: {إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ}... فهو الذي أيدني ودعمني وقواني وأنطقني {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}: فاسلكوا سبل الهداية لتصبحوا صالحين فيؤيدكم ويدعمكم ضد الباطل وأهله... وهذا موقف يشهد الله به لرسوله وحيداً تجاه قومه الصناديد، فكيف يتقولون زوراً بأن قريش حاصرته وأذلته "أذلهم الله ما أكبر بهتانهم" ومعه صحابته الذين كانوا مراراً يطلبون من سيدهم رسول الله أن ينقضوا على المشركين بمكة فلا يبقوا لهم أثراً فيجيبهم الرحيم صلى الله عليه وسلم: «أنتم قليل» لأنه صلى الله عليه وسلم رحمة لقريش وللعالمين قاطبة، فهو لا يريد انتصاراً دنيوياً دموياً قائماً على القتل والسحق، بل يأمل ويخطط لإيمانهم المستقبلي لكيلا يموتوا على الكفر فالنار، بل يأمل أن يتوفوا على الإيمان فالجنات وهكذا بالنتيجة كان.
فهم بهذه الرواية المسخ الباطلة يقولون أن الرسول وصحابته "الذين هدوا جيوش العالم هدا" حوصروا وذلّوا حتى أكلوا ورق الشجر، بل العكس صحيح كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} سورة المنافقون (8).
وكما قال البوصيري:
ومن تكـــن برســـول الله نصـرتــــه |
إن تلقه الأسد في آجامها تجــــــــــم |
|
هم الجبال فسل عنهم مصادمهم |
ماذا رأى منهم في كــل مصطـــــــدم |
|
وسل حنيناً وسل بدراً وسل أحداً |
فصــول حتف لهم أدهى مـن الوخـــم |
ـ المستشرق الغربي: الحمد لله الذي جمعني بك وأرشدني السبيل القويم وبيان العصمة العظمى الحقيقية للرسول محمد وأسمعني التأويل الصحيح لآيات ضلّ عنها الكثير من الناس وغفل عنها غافلون وهي في متناول اليد فاتخذوا دينهم من كتب وسير مخالفة لكتاب الله واعتمدوا وضلوا بها وأضلوا ضلالاً بعيداً.
ـ العالم المسلم: نحن المسلمون إن سمعنا كلام غير الله لن يفيدنا شيئاً، بل سيعود علينا آباؤنا وإخواننا وأئمة اتخذوا غير كتاب الله لهم سنداً اتبعناهم، سيكونون لنا أعداء يوم القيامة وينكرون إتباعنا لهم.
إن الدســوس وإن صيغــت قوالبهـــــا |
ترمـي إلى الطعــنِ والتشكيكِ بالرســلِ |
|
منها روايـــة شــــق الصـدر قـد وردت |
في صيغةِ اللفظ شق البطنِ في الجُملِ |
|
القلبُ في البطنِ أم في الصدرِ مركزهُ |
عمــيُ القلــوب بــوادِ النقــصِ والخطـــلِ |
|
والعلمُ يشهدُ في بطلانِ مـــا ذكـــروا |
وأبسط النــاس علمــــاً يكشفُ الزلــــلِ |
|
أمـــا علمـــتَ بـأن القـلــب ذو عمــل |
والنفــسُ تنشـــأ فيها ســـائــر العلـــلِ |
|
ســمّاهُ أحمدَ قـبـلَ الخـلـــق بارئـنــا |
نالَ الطهــارة قبـــــلَ الدنيــــا في الأزلِ |
والحمد لله رب العالمين
عدد التعليقات الإجمالي: 2
تعليقاتكم |
1. بارك الله فيكم
محمود - مصر | 10/11/2010 الساعة 18:45 , توقيت دمشق
الله الله الله... بارك الله فيكم.
|
|
2. حادثة الشق
sabrina - الجزائر | 29/9/2010 الساعة 20:29 , توقيت دمشق
بسم الله الرحمن الرحيمبارك الله فيكم، أنا عن نفسي كنت أحفظ هذه المعلومة عن خطأ ومن خلال الحوار، أيقنت أننا نأخذ الأحاديث بدون التمعن فيها. يجب إعادة مناقشة كل ما هو ضعيف في الأحاديث. عذراً عن مستوى التعليق. |
أضف تعليقك










